الشيخ الطوسي

573

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

أنّه إذا فعل الفعل على وجه الإباحة ، وعلم ذلك من حاله لا يجوز أن نفعله على وجه الوجوب ، ولا أن نحكم بوجوبه علينا . وإنّما اختلفوا في أفعاله الَّتي لا تعلم على أيّ وجه وقعت منه ، هل نحكم بوجوب مثلها علينا أم لا ( 1 ) ؟ ، ولم يختلفوا في أنّ أفعاله الَّتي هي عبادة نحو الصّلاة ، والصّيام ، يجب التّأسّي به فيها . واختلفوا في ما عدا ذلك : فمنهم من يقول : لا يجب التّأسّي به إلَّا بدليل يخصّ ذلك . ومنهم من يقول : إنّ ما دلّ على وجوب التّأسي به في بعضه يدلّ على التّأسّي به في سائره ، فجميع أفعاله سواء في أنّه يتأسّى به ، إلَّا ما استثنى منها . وما قدّمناه يدلّ على صحّة ذلك . وقوله تعالى : لَقَد كانَ لَكُم في رَسُول الله أُسوةٌ حَسَنَةٌ ( 2 ) وقوله تعالى : فَاتّبعوه ( 3 ) يدلَّان على أنّ لنا التّأسّي به واتّباعه فيما يصحّ اتّباعه فيه من قول أو فعل . وما ظهر من حال الصّحابة من رجوعهم إلى أفعاله عليه السّلام ، نحو ما روي عن عمر أنّه قبّل الحجر وقال : « أعلم إنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّي رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم قبّلك ما قبّلتك [ 1 ] . ورجوعهم إلى أزواجه عليه السّلام في ثبوت ما كان يفعله ليفعلوه ( 4 ) ، - يدلّ

--> ( 1 ) راجع التعليقة رقم ( 1 ) صفحة 575 . ( 2 ) الأحزاب : 21 . ( 3 ) الأنعام : 153 . ( 4 ) فيفعلوه . [ 1 ] الحديث ممّا تواتر نقله عن عمر ، فقد رواه البخاري ، ومسلم وأبو داود ، والنّسائي ، وابن ماجة ، والدارمي ، ومالك ، وأحمد بن حنبل وغيرهم من أصحاب المجاميع الحديثيّة كلَّهم في باب فضل تقبيل الحجر الأسود من كتاب الحجّ والمناسك وإليك نصّه بلفظ البخاري : « عن عابس بن ربيعة ، عن عمر ، أنّه جاء إلى الحجر الأسود فقبّله ، فقال : إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت النّبي صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يقبّلك ما قبّلتك » .