الشيخ الطوسي

523

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

وليس المراد بذلك النّسخ لأنّ ظاهره لا يقتضي ذلك . وقد قيل : أنّه يمحو ما يشاء ممّا يثبته الملك الموكَّل بالعبد في الصّحيفة من المباحات ، ويثبت ما يشاء ممّا يستحقّ عليه ثواب أو عقاب . وقد قيل في تأويله غير ذلك ممّا قد بيّن في التّفاسير ( 1 ) . والجواب عمّا تعلَّقوا به ثانيا من أمر الله تعالى إبراهيم عليه السّلام بذبح ابنه : أنّه إنّما أمره بمقدّمات الذّبح من الإضجاع ، وأخذ الحديد ، وشدّ اليد والرّجل وغير ذلك ، وقد يسمّى مقدّمة الشّيء باسمه كما يسمّى المريض المدنف بأنّه ميّت ، فجاز أن يقول : إنّي أرى في المنام أنّي أذبحك ( 2 ) ومراده ما قلناه . ويدلّ على صحّة ذلك : ما قدّمناه من دليل العقل في أنّه لا يجوز أن يأمر بالشّيء ثمّ ينسخه قبل وقت الفعل ( 3 ) . ويدلّ عليه أيضا : قوله صدّقت الرؤيا ( 4 ) فلو كان المراد به الذّبح على الحقيقة لكان لا يكون مصدّقا ، ولمّا ذبح ، فدلّ على أنّ المأمور به ما قدّمناه . وليس لأحد أن يقول : إذا كان الذّبح غير مأمور به ، فكيف نقول للذّبيح : فانظر ما ذا ترى ( 5 ) وهذا كلام جزع ؟ ، وكيف قال : إنّ هذا لهو البلاء المبين ( 6 ) ومقدّمة الذّبح ليس فيها كلّ ذلك ؟ ، وكيف فدي بذبح عظيم وليس المأمور به الذّبح ؟ وذلك أنّ إبراهيم عليه السّلام لمّا أمر بمقدّمات الذّبح ، وكان في العادة أنّ مثل ذلك يراد بالذّبح ، ظنّ أنّه سيؤمر بالذّبح ، فلذلك قال ما قال ، فأمّا الفداء فلا يمتنع أن يكون ذبحا ويكون فداء عن الَّذي ظنّ أنّه يؤمر به من الذّبح أو عن مقدّمة الذّبح ، لأنّ الفداء لا يجب أن يكون من جنس ما فدى به ، ألا ترى أنّ الهدي يفدّى به حلق الرّأس

--> ( 1 ) انظر : « تفسير التبيان 6 : 263 ، تفسير الطبري 13 : 111 ، تفسير فخر الرازي 19 : 64 » . ( 2 ) الصّافّات : 102 . ( 3 ) انظر استدلال المصنّف في ص 519 . ( 4 ) الصّافّات : 105 . ( 5 ) الصّافّات : 102 . ( 6 ) الصّافّات : 106 .