الشيخ الطوسي
519
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
جواز نسخ الشّيء قبل وقت فعله ( 1 ) ، وإلى ذلك كان يذهب شيخنا أبو عبد الله . وذهب المتكلَّمون من المعتزلة ، وأكثر أصحاب أبي حنيفة ، وبعض أصحاب الشّافعي إلى أنّ ذلك لا يجوز ( 2 ) ، وهو الَّذي يختاره سيّدنا المرتضى ( 3 ) رحمه الله ( 4 ) ، وهو الَّذي يقوى في نفسي . والَّذي يدلّ على ذلك : أنّ القول بجواز ذلك يؤدّي إلى أن ينهى الله تعالى عن نفس ما أمر به ، لأنّه إذا أمر بشيء بعينه في وقت بعينه ثمّ نهاه عنه قبل مجيء الوقت عن ذلك الفعل بعينه ، فقد نهاه عن نفس ما أمر به ، وذلك قبيح من وجهين : أحدهما : أنّ ذلك الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو حسنا ، فإن كان قبيحا فالأمر به قبيح ، فإن كان حسنا فالنّهي عنه قبيح ، وهذا يوجب كونه فاعلا للقبيح ، تعالى الله عن ذلك . والوجه الآخر : أنّه يؤدّي إلى البداء ، لأنّه لو كان حال ما أمر به على ما كان عليه قبل الأمر لما نهى عنه ، فدلّ نهيه على أنّه قد ظهر له من حاله ما لم يكن ظاهرا ، أو استتر عنه ما كان عالما به ، وكلّ ذلك لا يجوز عليه تعالى لأنّ البداء إذا لم يجز عليه لم يجز أن يفعل ما يدلّ على البداء . فإن قيل : إنّا إنّما نجيز أن ينهى قبل الوقت عن مثل ما أمر به لا عنه بعينه ، فلا يلزم ما ذكرتموه . قيل له : إنّ الأمر الأوّل اقتضى فعلا واحدا في هذا الوقت ، فإذا نهى عن مثله لم يوصف ذلك بأنّه نسخ أصلا . فإن قال ( 5 ) : لو اقتضى الفعلين جميعا فكيف كان جوابكم ؟ قيل له : إن كان أرادهما جميعا بالأمر ، فإذا نهى عن أحدهما فقد نهى عمّا أمر
--> ( 1 ) انظر التعليقة رقم ( 1 ) صفحة 519 . ( 2 ) انظر التعليقة رقم ( 1 ) صفحة 519 . ( 3 ) الذريعة 1 : 430 . ( 4 ) قدّس الله روحه . ( 5 ) قالوا .