الشيخ الطوسي
361
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
فأمّا إذا ظهر القول ولم يعرف له مخالف ، فمن جعله إجماعا أو في حكم الإجماع خصّ به أيضا العموم ، ومن لم يجعله إجماعا من حيث جوّز أن يكون السّاكت لو استفتي لأفتى بخلافه لجرى ذلك مجرى القول المختلف فيه ، والقول المختلف فيه بين الصّحابة اختلفوا في جواز تخصيص العموم به : فذهب أبو عليّ إلى أنّه يجوز الأخذ بقول بعضهم وإن خالفه غيره فيه ، قال : » لأنّ بعضهم كان يرجع إلى قول بعض من غير حجاج ، وهو المحكيّ عن محمّد بن الحسن [ 1 ] لأنّه حكي عنه أنّه قال : « ما أجمعوا عليه واختلفوا فيه جاز أن يقاس عليه ويتّخذ أصلا تجعل اختلافهم كاجتماعهم في أنّه أصل » . وقد حكي عن الشّافعي قديما أنّه كان يقول ذلك ، ويرتّب أقاويل الصّحابة فيقدّم أقاويل الخلفاء ، ثمّ قول أقدمهم في العلم ، فعلى هذه الوجوه لا يمتنعون من تخصيص الكتاب به ، لأنّه حجّة كالقياس وخبر الواحد عندهم . وأمّا من قال : إنّ قولهم ليس بحجّة ، فإنّه لا يخصّ العموم به ، وهو مذهب أكثر الفقهاء ( 1 ) ، وقول الشّافعي في الجديد [ 2 ] ، لأنّه قدّم القول بالعموم على القول بقول الصّحابي إذا اختلف فيه .
--> ( 1 ) انظر التعليقة رقم 1 صفحة 360 . . انظر : « الذريعة 1 : 306 ، المعتمد 1 : 278 ، شرح اللَّمع 1 : 391 » . وأمّا قول الراوي : كما لو احتمل الخبر أمرين ، وهو في أحدهما أظهر ، لكن صرفه الراوي إلى الآخر ، فقد اختلف الأصوليون من العامّة ، فإنّ جماعة منهم ذهبوا إلى أنّه لا يخصّص به العموم مطلقا ، وقال آخرون : إنّه يقبل منه لأنّه أعرف بمعنى الخطاب ، وتوقّف قوم في ذلك . انظر : « شرح اللَّمع 1 : 390 » . [ 1 ] هو أبو عبد اللَّه محمّد بن الحسن الشيباني ، الفقيه العراقي ، ولد بواسط سنة 131 ه ونشأ بالكوفة وجالس جماعة من الفقهاء والمحدّثين وتأثّر بأبي حنيفة وآرائه ، فصار من أصحاب الرّأي والقياس . سكن بغداد وارتبط بالبلاط العباسي فولاه الرشيد قضاء الرقّة ، ثمّ صحب الرشيد في خروجه إلى خراسان ، فمات بالري سنة 189 ه ، تزيد مصنّفات الشيباني على السبعين ، والمعتقد أن لآرائه تأثيرا كبيرا في تطوّر الفقه الحنفي . [ 2 ] فقد نسب للشّافعي قوله في الجديد : « كيف آخذ بقول من لو عاصرته لحججته » .