الشيخ الطوسي

356

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

فعلم بجميع ذلك صحّة ما نصرناه . ويدل أيضا على صحّة ما قدّمناه : خبر معاذ وأنّ النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لمّا بعثه إلى اليمن قال له : « بم تقضي ؟ . قال : بكتاب اللَّه ، ثمّ قال : بسنّة رسول اللَّه ( 1 ) . فقال له عليه السّلام فإن لم تجد ؟ . قال : أجتهد رأيي » ( 2 ) [ 1 ] فصوّبه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم في ذلك ، وهذا يقتضي أنّ القياس إنّما يسوغ استعماله إذا لم يوجد في الكتاب ما يدلّ على الحكم الَّذي يستعمل فيه ، فمتى وجد فيه بطل استعماله ، وإذا بطل استعماله لم يصحّ أن يخصّ به العموم ، لأنّ القياس الفاسد لا خلاف أنّه لا يخصّ به العموم . وليس لهم أن يقولوا : إنّ المراد بذلك ، إن لم أجد في كتاب اللَّه نصّا على المسألة اجتهدت رأيي ، فأمّا إذا كان فيه عموم فإنّه لا يمتنع اجتهاد الرّأي معه ، لأنّه إذا خصّ بالقياس كان ما استعمل فيه القياس غير موجود في الكتاب . وذلك أنّ هذا الَّذي ذكروه تخصيص للخبر ، لأنّه إنّما صوّبه في استعمال القياس إذا لم يكن الحكم موجودا في الكتاب والسّنة ، وقد يكون الحكم ثابتا فيهما بنصّ معيّن ، ويكون أيضا موجودا بأن يكون داخلا في العموم ، فمن خصّ الخبر بأحدهما احتاج إلى دلالة . وفي النّاس من استدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه بأن قال : القياس فرع على النّص من عموم وغيره ، فمتى اعترض به عليه كان قد اعترض على الأصل بفرعه ، وهذا لا يجوز [ 2 ] .

--> ( 1 ) سنة رسوله . . ( 2 ) برأيي . . [ 1 ] سنن الدارمي 70 : 1 ، عون المعبود 330 : 3 ، مع اختلاف يسير ، ورواه أيضا أحمد ، وأبو داود ، والترمذي لكنّه قال : ليس إسناده عندي متّصلا ، وقال البخاري : لا يصحّ ، وحاول جماعة تصحيحه لكن دون جدوى . [ 2 ] قال أبو إسحاق الشّيرازي الشّافعي في ( التبصرة : 140 ) : « قالوا : ولأنّ القياس فرع النطق ، فلا يجوز أن يسقط الفرع أصله » .