الشيخ الطوسي
314
العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )
وحكي عن ابن عبّاس أنّه كان يذهب إلى أنّه يجوز تأخيره عن حال الخطاب ، وذلك مستبعد من قوله [ 1 ] . والَّذي يدلّ على صحّة ما قلناه : أولا : أنّ أهل اللَّغة لا يعدّون ما انفصل عن الكلام استثناء ، كما لا يعدّون ما تقدّمه كذلك ، فلو جاز لأحد أن يخالف في المتأخّر فيسمّيه استثناء ، جاز لغيره أن يخالف في المتقدّم فيسمّه استثناء ويدلّ أيضا : على أنّ الاستثناء متى انفصل عن حال الخطاب لا يفيد أصلا ، فكيف يجوز أن يكون استثناء من الكلام المتقدّم ؟ فإن قالوا : الاستثناء إذا تأخّر ولا يستقلّ بنفسه فلا يفيد ، فإنّه يجوز أن يقرن به من الكلام ما يدلّ على أنّه متعلَّق بالكلام الأوّل ، فيفيد حينئذ ويتعلَّق به . قيل له : إذا كان لا يفيد بنفسه وإنّما يتعلَّق بالكلام الأوّل بلفظ يقترن به ، فقد صار المخصّص للكلام الأوّل اللَّفظ الَّذي اقترن بالاستثناء ، وإذا كان كذلك فلا معنى للاستثناء وكان استعماله لغوا . وليس لهم أن يقولوا : إنّ القائل إذا قال : « رأيت القوم « ثمّ قال بعد زمان : « إلَّا زيدا « وقال أردت بهذا استثناءه من اللَّفظ الأوّل أفاد أنّه غير داخل في الجملة الأولى ، ولو لم يذكر الاستثناء أصلا واقتصر على هذا القول المقترن به لما أفاد ذلك ،
--> [ 1 ] نسب لابن عبّاس رحمه اللَّه ثلاثة آراء : الجواز مطلقا ، والجواز إلى شهر ، والجواز إلى سنة [ راجع المصادر الواردة في هامش رقم ( 1 ) صفحة 313 ] ، وأمّا استبعاد المصنّف نسبة هذا الرّأي لابن عبّاس فإنّه في محلَّه ، وتابعه آخرون حيث نقل ( شرح اللمع : 1 - 399 ) عن الباقلَّاني قوله : « هذه الحكاية بعيدة عنه مع فصاحته وبلاغته « وكذلك استبعده أبو إسحاق الشيرازي والغزالي وغيرهم . انظر تعليقة شارح كتاب ( التبصرة ) في هامش صفحة 162 .