الشيخ الطوسي

300

العدة في أصول الفقه ( عدة الأصول ) ( ط . ج )

والجواب عن ذلك : إنّا لا ننكر أن يكون أصل الاشتقاق ما ذكروه ، لكن صار بعرف اللَّغة ومواضعتهم مخصوصا ببعض ذلك وهو إذا كانوا ثلاثة منضمّين ، وجرى ذلك مجرى قولهم : « دابّة » في أنّه موضوع في أصل اللَّغة لكلّ ما يدبّ ثمّ صار بعرف اللَّغة مخصوصا لدابّة بعينها ، فكذلك لفظ الجمع ، على أنّه إنّما نريد بقولنا : أقلّ الجمع ثلاثة أنّ أحكام الثلاثة لا تجري على الاثنين وأحكام الاثنين لا تجري على ثلاثة على ما بيّناه . فإن سلَّموا ذلك وقالوا مع ذلك الاثنان جمع من حيث الاشتقاق ، كان ذلك خلافا في عبارة لا يعتدّ بمثله . واستدلَّوا أيضا : بما روي عن النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنّه قال : « الاثنان فما فوقهما جماعة » ( 1 ) فسمّاهما جماعة . والجواب عن ذلك : أنّ قوله عليه السّلام ينبغي أن يحمل على الأحكام لأنّها المستفادة من جهته ، ولا يحمل على الأسماء لأنّها مستفادة معلومة باللَّغة . وقد قيل في معناه شيئان ، أحدهما : أنّه كان نهي عن خروج الرّجل وحده في السّفر ، ثمّ أباح ذلك في الاثنين ، فخبّر عند ذلك أنّ حكم الاثنين في جواز السّفر حكم الثلاثة وما زاد على ذلك . والوجه الآخر : أنّه أراد بذلك فضيلة الجماعة بالصّلاة ، لأنّ حكم الاثنين في انعقاد الجماعة بهما وحصول الفضل لهما حكم الثلاثة وما زاد على ذلك ، فينبغي أن يحمل الخبر عليهم . ومنها : قوله تعالى : وكُنَّا لِحُكْمِهِم شاهِدين ( 2 ) ، وعنى بذلك داود وسليمان وهما اثنان .

--> ( 1 ) كنز العمّال 7 : 555 رقم 20224 : « اثنان فما فوقهما جماعة » . . ( 2 ) الأنبياء : 78 . .