عادل عبد الرحمن البدري
863
نزهة النظر في غريب النهج والأثر
وفي حديث مواقيت الصلاة : « أنّه نوّر بالفجر » . أي صلاّها وقد استنار الأفق كثيراً . وفي حديث عليّ ( عليه السلام ) « نائرات الأحكام ، ومُنيرات الإسلام » . النائرات : الواضحات البيِّنات ، والمُنيرات كذلك . فالأُولى من نار ، والثانية من أنار ، وأنار لازم ومُتَعَدٍّ ( 1 ) . ومنه قال عليّ ( عليه السلام ) عن الإسلام : « مُشْرَفُ المَنَارِ » ( 2 ) . استعار لفظ المنار ، وهي الأعلام والمصابيح ، لأئمّة الدين ، والمشرف لعلوّهم ( 3 ) . وفيه : « لا تستضيئوا بنار المشركين » . أراد بالنار هاهنا الرأي ، أي لا تُشاوُروهم . فجعل الرأي مثلاً للضّوء عند الحيرة ( 4 ) . وباعتبار الوضوح والدلالة في الوجود عليه جلّ وعلا قال عليّ ( عليه السلام ) : « نَحْمَدُهُ عَلى عَظِيمِ إحْسَانِه ، ونَيّرِ بُرْهَانِه » ( 5 ) . وفي أسمائه تعالى النور ، والنور معناه المنير ، ومنه قوله تعالى : ( الله نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ) ( 6 ) . أي منير لهم وآمرهُم وهاديهم ، فهم يهتدون به في مصالحهم كما يهتدون في النُّور والضياء . وهذا توسّعٌ إذ النور الضياء والله عزّ وجلّ مُتعال عن ذلك عُلُواً كبيراً ، لأنّ الأنوار مُحْدثةٌ ومُحْدِثُها قديم لا يُشبهه شيءُ . وعلى سبيل التوسّع قيل : إنّ القرآن نورٌ لأنّ الناس يهتدون به في دينهم كما يهتدون بالضياء في مسالكهم ، ولهذا المعنى كان النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) منيراً ( 1 ) . ولما كان أهل البيت ( عليهم السلام ) ورثة الهدى جاء قول علي ( عليه السلام ) مشيراً لآل النبيّ : « المَنَارُ مَنْصُوبَةٌ » ( 2 ) من ذلك . وجاء في الخبر عن عليّ : « كان الله تعالى ولا شيء فأوّل ما خلق نور حبيبه قبل أن يخلق الماء والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنّة والنار والحجاب والسحاب . . . » ( 3 ) . ومن هذا الخبر جاء قول الحافظ رجب البرسي : إنّ الحيّ القيوم جلّ اسمه فضّل الحضرة المحمدية أن جعل نورها هو الفيضُ الأوّل ، وجعل سائر الأنوار تشرق منها وتتشعشع عنها . . . إلى أن قال : محمّدٌ وعليٌّ نور واحد قديم ، وإنّما انقسما تسميةً ليمتاز النبي عن الوليّ كما امتاز الواحد عن الأحد ، فكلّ أحد واحد ولا ينعكس ، وكذا كلّ نبيّ وليّ
--> ( 1 ) النهاية 5 : 125 ( نور ) . ( 2 ) نهج البلاغة : 153 خطبة 106 . ( 3 ) اختيار مصباح السالكين : 251 . ( 4 ) النهاية 5 : 125 ( نور ) . ( 5 ) نهج البلاغة : 260 ضمن خطبة 182 . ( 6 ) النور : 35 . ( 1 ) التوحيد للصدوق 213 باب أسماء اللّه تعالى . ( 2 ) نهج البلاغة : 119 خطبة 87 . ( 3 ) الأنوار في مولد النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) للبكري : 5 .