زكي مبارك
8
عبقرية الشريف الرضي
تذكرتكم والدمع لا * وبل ولا طل فما أخلفكم جار * من الماقين منهلّ وفي الأيام ما يسلى * ولكن أين من يسلو ( 1 ) أيها السادة . ذلكم إحساس الشريف بقيمة الصداقة والأخوة ، ولكن هل هذا كل ما يملك ذلك القلب الطروب هيهات ، ففي قلب الشريف بقايا من العاصف ، الشوق إلى الأصدقاء الأصفياء ، وهو شوق لا نعرفه في هذه الأيام ، لأننا نعيش في زمن عابس متجهم لا نكاد نرى فيه الناس حتى نتخير الأصدقاء ، في قلب الشريف بقايا من الحنان لا يعرفها غير ذلك القلب ، وأمثال ذلك القلب ، إن كان له أمثال . هل سمعتم بأخبار أبي الحسن البتي إنه كاتب من كبار الكتاب الذين أنجبهم العراق في القرن الرابع ، وقد نزلت مودته إلى الأعماق من قلب الشريف الرضي ، وحسبكم أن تعرفوا أن آخر شعر نظمه الشريف الرضي هو أبياته في رثاء ذلك الصديق ، وأكاد أجزم بأن موت أبي الحسن البتي هو السبب في موت الشريف الرضي ، يشهد ذلك قوله في ذلك الرثاء : ما للهموم كأنها * نار على قلبي تشب والدمع لا يرقى له * غرب كأن العين غرب ( 2 ) لوداع إخوان الشباب * مضت مطاياهم تخب
--> ( 1 ) في الديوان ( ما يسلو ) وهو تحريف . ( 2 ) الغرب عرق في العين يسيل منه الدمع ، والغرب أيضا الدلو العظيمة ، وفي البيت جناس .