زكي مبارك

78

عبقرية الشريف الرضي

تركته لذيول الريح مدرجة * ورحت أسحب عنه فضل أذيالي ما بالي اليوم لم ألحق به كمدا * أو أنزع الصبر والسلوان من بالي أيها السادة هناك جانب من غرائب الوفاء عند الشريف هو بكاء النساء ، وهذا اغرب الجوانب ، وهو يحتاج إلى تأمل ودرس ، ولا نعرف بالضبط كيف نشأ هذا عند الشريف ، فقد كان من المألوف في التقاليد العربية أن لا يبكي من النساء غير المعشوقات ، وبكاء الأمهات والحلائل باب من النبل ولكنه في شعر العرب قليل ، فقد لا يساوي واحدا من خمسين إذا أحصينا ما قيل في الرثاء ، فكيف اتفق للشريف الرضي أن يكثر من تعزية الناس في أمهاتهم وبناتهم وأخواتهم إن هذه الظاهرة ليس لها عندي غير تعليل واحد ، هو أن الشريف الرضي كان ( ابن أمه ) كما يعبر المصريون حين يداعبون من يغضبون لأمهاتهم من الأطفال . ونحن نعرف أن أيام البؤس في حياة الشريف مضت وهو في رعاية أمه الرؤم التي باعت أملاكها وحليها لتقيه وتقي أخاه ذل العوز والاحتياج . والام الرؤم لم تجد من يؤرخ فضلها في اللغة العربية ، ويندر بين كتاب العرب من يقول حدثتني أمي وأنبأتني أختي وأخبرتني حليلتي ، وإن كان في شعرائهم من يقبل النعال في اقدام الملاح وما أريد أن أطيل القول فيما أثر عن العرب والهنود من بغض البنات