زكي مبارك
75
عبقرية الشريف الرضي
كم رجل حرمته الطبيعة أسباب التفوق في الميادين المعاشية والأدبية والسياسية ، ثم وهبته قلبا يشعر ولسانا لا يبين كم رجل خامل الذكر صغير الشأن يقبل عليك بنفس تواقة وقلب حنان كم امرأة أمية لا تعرف غير شؤون البيت ثم تمد زوجها بأرواح من القوة والفتوة لا تقدر على مثلها المتخرجات في السوربون إن الصداقة لها منابع غير منابع العرفان ، والرجل العالم لا يصادق إلا حين يرجع إلى الفطرة الأولى ، فطرة الانسان الحساس . فلا تلوموا الشريف إن رأيتموه يرثي ناسا لم يسمح مقامه الاجتماعي بذكر أسمائهم في الديوان ، فتلك وثبة فطرية لا تصدر إلا عن كرام الرجال . وإن وقفات كهذه لأشرف من وقفاته وهو يرثي رجلا من بني أمية أو رجلا من بني العباس ، لأن في بكاء العادلين من الخصوم لونا من الأثرة وحب الاعلان ، أما بكاء المغمورين المجهولين فهو فيض من الطبع الصادق والاحساس الأمين . ومثل الشريف في هذا الباب مثل الفنان الذي ينحت التماثيل ، فهو دائما يوهم الجمهور أنه يضع تمثالا لامرأة مجهولة أو رجل مجهول ، هو يخدع الناس حين يوهمهم أنه لا يهتم بغير تمثيل المعاني ، ولو أبيح له أن يفصح لقال إنه لا ينظر إلى النموذج ، وإنما يستوحي صورة هي بعض ما في ضميره من دفائن الكنوز . وقد اهتديت إلى هذا المعنى لطول ما عاشرت المثالين ، فقد صحبت المسيو بلا نشو وهو يضع تمثال العارية ، وصح عندي أن في التمثال شمائل