زكي مبارك
71
عبقرية الشريف الرضي
وأنشده واعلم أين أمسي * مطالا للبلابل والهموم كأدماء القر أنشدت طلاها ( 1 ) * وما وجدان جازية بغوم ( 2 ) تطيع اليأس ثم تعود وجدا * إليه بالمقصة والشميم ( 3 ) يعارضني بذكرك كل شيء * عداد الداء غبّ على السليم ( 4 ) أجدك هل ترى بعد ابن ليلى * طعانا بين رامة والغميم أأرجو للحواضن كابن ليلى ؟ * أحلت إذن على بطن عقيم وكان الشريف يذكر ابن ليلى كلما ضجر في أسفاره ، فكأنه كان يراه ملك البيداء . أيها السادة ليس الذي يهمني في هذا المقام هو النص على وفاء الشريف ، وانما الذي يهمني هو تعليل ذلك الوفاء ، فالشاعرية التي كانت تتفجر في صدر الشريف هي التي جعلت الدنيا أمام عينيه منادح للأطراب والأشجان ، فإذا كان من الشعراء من يتكلف أسباب الحنين فيتفجع لغروب الشمس ، أو يتوجع لسقوط الأوراق في الخريف ، فان الرضي يجد من نوائبه الوجدانية ينابيع للحزن لا تنضب ولا تغيض . والحزن أيها السادة طيف أسود ، ولكنه محبوب ، والشعراء هم الذين
--> ( 1 ) القرا الظهر ، والادماء ما في لونها ادمة ، وهي في الظباء لون مشرب بياضا ( 2 ) الجازية الظبية يجزيها العشب ، والبغوم الرخيمة الصوت . ( 3 ) المقصة من قص الأثر إذا تتبعه ، والشميم شم الأرض لتعرف الطريق الذي مشى فيه المفقود . ( 4 ) العداد بالكسر اهتياج وجع اللديغ بعد سنة والسليم الملدوغ ، سمي بذلك تفاؤلا ، وغب الداء تحرك وهاج