زكي مبارك
57
عبقرية الشريف الرضي
والوفاء في الدنيا قليل . وتذكروا أن الصابي لم تكن له عصبية حتى نتهم الشريف بأنه يبحث عن أنصار وأشياع ، هيهات ، فقد كان الصابئون أقلية لا يحسب لها حساب وكان محرما عليهم أن يتساموا إلى مراتب الوزراء . ونحن في الواقع نثق ثقة مطلقة بأمانة الشريف ، ولكن البحث النفسي يوجب أن نعرض هذا الجانب ، والمؤرخون لذلك العهد نظروا إلى مرثية الشريف نظرة استغراب ، وهذا يؤكد أن الشريف لم يرع في مرثيته غير معاني الوداد . ويزيد في قيمة تلك المرثية أن الصابي لم يمت إلا وهو في فقر مدقع ، ولم ير الموت إلا بعد أن تقطعت عنه أسباب المجد ، وأقبلت الدنيا على خصومه الألداء . فالشريف في رثاء الصابي رجل مفرد بين الرجال ، وموقفه أقوى من موقف البحتري في رثاء المتوكل ، لأن البحتري شهد فاجعة أليمة تنطق الجماد ، أما الصابي فيرثي صديقا عديم الحول ، وقد بلغ أرذل العمر ولم يمت إلا في الحادية والتسعين وهو على دين « منبوذ » تنكره الدولة وينكره الناس . قد تقولون : إن الشريف لم يكن يملك غير ذلك وقد عرف الناس ما بينه وبين الصابي . ونعترف بأن هذا النوع من الوفاء هو لون من الأثرة الذاتية ، ولكن هذه الأثرة في ذاتها جوهر نبيل ، وشرف البواعث مما تنصب له الموازين . وكيف يتهم في صدقه من يقول :