زكي مبارك

50

عبقرية الشريف الرضي

النبيل الذي ظلمناه بعض الظلم في كتاب النثر الفني ، فقد كان ابن عباد يتلطف في بر الصابي فيرسل إليه الهدايا المستورة مع الحجاج ، والدعامة الثانية مودة الشريف الرضي ، الفتى الفقير الذي يملك من صفاء الروح ما يؤنس الصابي فيرده إلى مرح الشباب . ولكن حظ الصديقين كان يختلف أشد الاختلاف ، فكل شمس تطلع تمد الشريف بقبس من الفتوة ، وكل شمس تغرب تذكر الصابي بما ينتظر من الأفول . وسياق الحوادث يشهد بأن ذلك الشيخ الذاوي هو الذي كان يجب عليه أن يتكلف المشقة ليزور ذلك الفتى الفينان ، وقد تكلف ذلك الشيخ ما تكلف إلى أن أعجزه المرض عن عبور دجلة فكتب إلى صديقه الفتى يقول : أقعدتنا زمانة وزمان ( 1 ) * جائر عن قضاء حق الشريف ولئن ثقلا عن الخدمة الخط * ولعن خاطر إليها خفيف فاقتصرنا فيما نؤدي من الفر * ض ( 2 ) على الكتب والرسول الحصيف والفتى ذو الشباب يبسط في التق‍ * صير عذر الشيخ العليل الضعيف وقد أجاب الشريف على هذه الأبيات بقصيدة طويلة ابتدأها بجيد النسيب إذ يقول : كم ذميل إليكم ووجيف ( 3 ) * وصدود عنا لكم وصدوف وغرام بكم لو أن غراما * جرّ نفعا للواجد المشغوف

--> ( 1 ) الزمانة المرض المزمن ( 2 ) في الديوان « العرض » بالعين المهملة وهو تحريف ( 3 ) الذميل والوجيف من ضروب السير .