زكي مبارك
48
عبقرية الشريف الرضي
فهم يحبون أن يصلوا إلى قمم المجد في يوم وليلة ، ويبحثون عمن يزكيهم ويؤيدهم ويدعي لهم التفوق ، وقد تلفت الشريف وهو طفل فرأى شيخا جليلا يتنبأ له بمستقبل جليل ، فأحبه كل الحب ، ومال إليه كل الميل . والقصيدة التي سقناها من شعر الشريف تشهد بأنه انخدع كل الانخداع فأخذ يتصور الأيام التي يقسم فيها الحظوظ والأرزاق ويؤكد للصابي أنه سيجعله في مأمن من خطوب الزمان . وقد ثارت الحمية في ذلك الغصن الأملود ، واستكثر أن تعوقه غضاضة السن عما يريد ، فاندفع يقول : فان قعدت بي السن يوما فإنه * سينهض بي مجدي إليها محققا فو اللَّه لا كذّبت ظنك أنه * لعار إذا ما عاد ظنك مخفقا فان الذي ظن الظنون صوادقا * نظير الذي قوى الظنون وحققا على أن الشريف لم يكن بالغافل إذ صدق فراسة الصابي ، فهما أديبان ، والأدباء قد يطمئن بعضهم إلى بعض ، وكان الشريف يعرف أن الصابي له علاقات متينة بكثير من الرؤساء والوزراء ، ولا سيما الصاحب ابن عباد وكان مفهوما في تلك العهود أن الخلافة العباسية على شفا الهاوية ، وأن الأمر لملوك بني بويه ، والاتفاق مع أولئك الملوك ليس بالأمر المستحيل . وكذلك تطور الحب بين الشريف وبين الصابي ، فبعد أن كان الشريف يميل إلى الصابي لأنه من أصدقاء أبيه القدماء ، ولأنه من خصوم عضد الدولة ، ولأنه يعجب بشعره وهو طفل ، أصبح يحبه صار من دعاته الأوفياء ، ولأنه سيصير في المستقبل من صنائعه يوم يصبح