زكي مبارك

43

عبقرية الشريف الرضي

فلنذكر أن عضد الدولة حين انتصر أخذ يصفي حسابه مع خصومه القدماء ، فنظر فرأى الصابي ، وكان شيخا له بين الكتاب مكان مرموق ، ففكر في أمره غير قليل ، ثم هداه الرأي إلى استخدام الصابي في تأليف كتاب يسجل به مفاخر الدولة الديلمية ويشرح ما قامت به من الحروب والفتوحات ، ورآها الصابي فرصة يستلين بها عضد الدولة وينجي بها رأسه من السيف ، وأخذ في التأليف ، ولكن بعض الأصدقاء دخل عليه وهو مشغول بالتسويد والتبييض فسأله عما يعمل فأجاب وقد خانه الحظ أباطيل أنمقها ، وأكاذيب ألفقها ومضى ذلك الصديق الخؤون فنقل العبارة إلى عضد الدولة ، فثارت أحقاد ذلك الطاغية وأمر بأن يلقي الصابي تحت أرجل الفيلة ليقتل أشنع قتل ، ولكن لطف اللَّه بالصابي شيخ الكتاب ، فقد كان في حضرة عضد الدولة جماعة يرون له الأستاذية عليهم ، منهم نصر بن هارون والمطهر بن عبد اللَّه وعبد العزيز بن يوسف ، فأكبوا على الأرض يقبلونها بين يدي عضد الدولة ويستشفعون إليه في أمره ويتلطفون في استيهاب دمه ، إلى أن أمر باستحيائه مع القبض عليه واستئصال ما يملك من عقار وأموال ( 1 ) . وهنا تذكرون أن عضد الدولة الذي نكب الصابي هو نفسه عضد الدولة الذي أودع أبا احمد الموسوي غياهب الاعتقال . فان ذكرتم ذلك فهمتم ولا ريب أن الاشتراك في مصدر النكبة

--> ( 1 ) راجع يتيمة الدهر ج 2 ص 27 .