زكي مبارك

24

عبقرية الشريف الرضي

استباح لنفسه أن يهجم على أخيه ، وهو يعلم أن ذلك الأخ هو كل ما بقي له من الثروة الروحية في زمن كان يزخر بالمهالك والخطوب ولا تنسوا أيها السادة أننا نتحدث عن شاعر كان يعيش في بغداد في النصف الثاني من القرن الرابع ، وهو من أقسى العصور التي عانتها بغداد لأنها لم تكن تختار ملوكها ولا وزراءها في ذلك العهد وانما كانت تفرض عليها الملوك وفقا لعدوان المطامع بين الديلم والأتراك ولم يبق لأهل بغداد من أسباب الجاه إلا ما توارثوه من المناصب بفضل التقاليد ، وكان من أهم ما توارثوه مناصب القضاء ، وكانت هذه المناصب مما يملك الفقهاء البغداديون ، السنيون والشيعيون ، فلم يكن بد من أن يتعاطفوا ، وتشيع بينهم القالة الحسنة والصيت الجميل . فإذا نقل الواشون إلى الرضي أن أخاه المرتضى يسلقه في غيبته بلسان حديد فإنما يصورون له مجدا يتقلص وملكا يضيع . وماذا يبقى للرضي ان ضاعت منه مودة ذلك الشقيق هو مع الملوك في حرب ، ومع الخلفاء في حرب ، ومع المنافسين في نضال ، والعراق على اتساع حواضره وبواديه يضيق عن تأسيس الثروة والمجد من جديد ، لأن الثورات لم تترك فيه مجالا لأيدي الفلاحين فضلا عن الشعراء والعلماء . اعذروني أيها السادة إذا وقفت عند هذه المعضلة النفسية ، فأنا أحب أن أعتذر عن الشريف الرضي ، أحب أن أقول إنه لم يهجم على أخيه إلا بعد أن ضاقت في وجهه مسالك الصفح الجميل ، وكان في مقدوري أن أحكم بأن أهل العراق قوم تغلب عليهم دقة الاحساس فهم يغضبون لأول بادرة ، ولا يفكرون في العواقب عند الصيال ولكن ماضي