القاضي التنوخي

265

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

132 إلى غزال من بني النصارى أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسّن التنوخي ، رحمه اللَّه ، سنة 443 ، قال : حدّثنا القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريري « 1 » قال : أنشدنا أبو القاسم مدرك بن محمد الشيباني « 2 » ، لنفسه في عمرو النصراني « 3 » : قال القاضي أبو الفرج : وقد رأيت عمرا ، وبقي حتى ابيضّ رأسه .

--> « 1 » ( 1 ) أبو الفرج المعافى بن زكريا بن يحيى بن حميد بن حماد بن داود النهرواني القاضي المعروف بابن طرار ( 305 - 390 ) : ترجمته في حاشية القصة 3 / 131 من النشوار . « 2 » ( 2 ) مدرك بن محمد ، أبو القاسم الشيباني الشاعر : نظم في جميع أغراض الشعر ، ولكنه اشتهر بالغزل ، ترجم له الخطيب البغدادي في تاريخه 13 / 273 . « 3 » ( 3 ) كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد ، في الجانب الشرقي ، وكان من أحسن الناس صورة وأجملهم خلقا ، وكان مدرك بن علي الشيباني يهواه ، وكان من أفاضل أهل الأدب ، وكان له مجلس يختلف إليه الأحداث لا غير ، فإن حضره شيخ أو كهل ، قال له : إنه ليقبح بمثلك أن يختلط بالأحداث والصبيان ، فقم في حفظ اللَّه ، وكان عمرو بن يوحنا ، ممن يحضر مجلسه ، فعشقه مدرك ، وهام به ، فجاء عمرو يوما إلى المجلس ، فكتب مدرك رقعة ، وطرحها في حجره ، فقرأها ، فإذا فيها : بمجالس العلم التي بك تم جمع جموعها إلا رثيت لمقلة غرقت بماء دموعها بيني وبينك حرمة اللَّه في تضييعها فقرأ الأبيات ، ووقف عليها من كان في المجلس ، وقرأوها ، واستحيا عمرو من ذلك ، فانقطع عن الحضور ، وغلب الأمر على مدرك ، فترك مجلسه ، ولزم دار الروم ، وجعل يتبع عمرا حيث سلك ، وقال فيه قصيدة مزدوجة عجيبة ، وله أيضا في عمرو أشعار كثيرة ، ثم اعترى مدركا الوسواس ، وسل جسمه ، وذهب عقله ، وانقطع عن إخوانه ، ولزم الفراش ، فحضره جماعة ، فقال لهم : ألست صديقكم القديم العشرة لكم ؟ أما فيكم أحد يسعدني بالنظر إلى وجه عمرو ؟ فمضوا بأجمعهم إليه ، وقالوا له : إن كان قتل هذا الفتى دينا فإن إحياءه مروءة ، قال : وما فعل ؟ قالوا : قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه ، فلبس ثيابه ، ونهض معهم ، فلما دخلوا عليه ، سلم عليه عمرو ، وأخذ بيده ، وقال : كيف تجدك يا سيدي ؟ فنظر إليه ، وأغمي عليه ساعة ، ثم أفاق ، وفتح عينيه ، وهو يقول : أنا في عافية إلا من الشوق إليك أيها العائد ما بي منك لا يخفى عليك لا تعد جسما وعد قلبا رهينا في يديك كيف لا يهلك مر شوق بسهمي مقلتيك ثم شهق شهقة ، فارق الدنيا بها ، حتى دفنوه ( مصارع العشاق 1 / 242 و 2 / 258 ) .