القاضي التنوخي
120
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
وبينما أنا على ذلك ، وقد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام ، أو أربعة ، ولا شغل لي إلَّا البكاء على نفسي ، والحسرة على مفارقة الحياة ، إذ دخل حاجب النوبة ، فقال : أبو الحسين الصوفي « 1 » في الدار ، منذ الغداة ، يسأل الوصول ، وقد اجتهدت به في الانصراف ، فأبى إلَّا القعود ، وترك القبول ، وهو يقول : لا بدّ لي من لقاء مولانا ، فإنّ عندي بشارة ، ولا يجوز أن يتأخّر وقوفه عليها ، وسماعه إيّاها ، فلم أحبّ أن أجدّ به في المنع والصرف ، إلَّا بعد المطالعة وخروج الأمر . فقلت له - على مضض غالب ، وبصوت خافت - قل له : كأنّي بك ، وأنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني ، إلى الموضع الفلاني ، وتهذي عليّ في هذا المعنى ، هذيانا لا يتسع له صدري ، ولا يحتمله قلبي وجسمي ، وما أقدر على سماع ما عندك ، فانصرف . فخرج الحاجب ، وعاد متعجّبا ، وقال : إمّا أن يكون أبو الحسين قد اختلّ ، وإمّا أن يكون عنده أمر عظيم ، فإنّي أعدت عليه ما قاله مولانا ، فقال : ارجع ، وقل له : واللَّه ، لو أمرت بضرب رقبتي ، لما انصرفت أو أراك ، ومتى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا ، فحكمك ماض فيّ ، وإذا سمعت ما أحدثك به ، عوفيت في الوقت ، وزال ما تجده . فعجبت من هذا القول ، عجبا شديدا ، مع علمي بعقل أبي الحسين ، وشدّة تحقيقه ، وقلَّة تحريفه ، وتطلَّعت نفسي إلى ما عنده ، فقلت : هاته . فلمّا دخل ، قبّل الأرض ، وبكى ، وقال : أنت واللَّه يا مولاي في عافية ، ولا خوف عليك ، اليوم تبلّ ، وتستقلّ ، ومعي دلالة على ذلك .
--> « 1 » ( 1 ) أبو الحسين الصوفي ، عبد الرحمن بن عمر بن سهل الرازي ، منجم عضد الدولة ، ترجمته في حاشية القصة 4 / 44 من النشوار .