القاضي التنوخي

71

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

قال : فلم أبعها حتى كاتبته ، وعرّفته خبرها ، لئلا تكون قد هربت ، أو وقع بها حيلة . فلما أعلمني أنّه وهبها ، شرعت في بيعها في الحال ، فتعذّر ، وأقامت عندي أيّاما . فسألتها عن أخبار أبي الهيجاء ، وأمره في داره ، فأخبرتني بأشياء من ذلك . فكان من طريف ما أخبرتني به ، أن قالت : أخرجني من عندك في العمّارية ، وسرنا يومنا وليلتنا ، إلى قريب من انتصاف الليل ، فكدّني السير وأتلفني ، ثم حطَّ العمّارية في الصحراء ، ثم ضربت له خيم ، ولأصحابه ، فصرنا في عسكر ، وأشعلت النيران ، ونصب له سرير [ 57 ] مخلَّع « 1 » في خيمة له ، واستدعاني ، فجئت وهو على فراشه ، فلاعبني ، ثم نزع « 2 » سراويله ، وجلس منّي مجلس الرجل من المرأة ، فوقعت صيحة عظيمة ، فنهض عنّي ، ولم يكن أولج ، وضرب بيده إلى تحت الفراش ، وإذا سيف مجرّد ، فأخذه ، وخرج بلا سراويل ، وصاح أنا أبو الهيجاء ، وسألهم عن سبب الصيحة ، فقالوا : سبع أطاف بالخيم . فخرج يعدو ، ومعه خلق من غلمانه وأصحابه ، وأهاجوا السّبع ، وطلبوه ، وناصبوه الحرب ، وناصبهم ، وأنا أسمع الصياح ، وزأرات الأسد ، وقد تلفت فزعا ، ثم يأتيه هو ، من بين الجماعة ، فقتله ، فحمل رأسه ، وجاءني وهو في يده ، فلما رأيته صحت ، فرمى بالرأس ، وغسل يده . ثم جاءني ، فطرحني ، وإذا أيره قائم ، كما كان في وقت نهوضه ، ما تغيّر ، ثم جامعني ، ثم نهضت . فما رأيت قلبا أثبت من قلبه ، ولا أيرا أقوى من أيره .

--> « 1 » السرير المخلع : هو السرير الذي يخلع إلى أجزاء ويرفع ثم ينصب مجددا بربط أجزائه ببعض ، ويستعمله المسافرون . « 2 » نزع : بغدادية : خلع .