القاضي التنوخي

21

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

طغج « 1 » بمصر بعيدا عنها ، ورضاه بأن يجعل يأنس عليها ، ويحمل إليه الشيء اليسير منها ، ففكَّرت في جمع جيش ، وقصدها ، وأخذها ، وطرد يأنس ، ومدافعة ابن طغج ، إن سار إليّ ، بجهدي ، فإن قدرت على ذلك ، وإلَّا كنت قد تعجّلت من أموالها ، ما تزول به إضاقتي مدّة ، ووجدت جمع الجيش لا يمكن إلَّا بالمال [ 15 ] ، وليس لي مال ، فقلت : أقصد أخي ، وأسأله أن يعاونني بألف رجل من جيشه ، يزيح هو علَّتهم « 2 » ، ويعطيني شيئا من المال ، وأخرج بهم ، فيكون عملي ، زائدا في عمله ، وعزّه . قال : وكانت تأخذني حمّى ربع « 3 » ، فرحلت إلى الموصل « 4 » على ما بي ، ودخلت إلى أخي ، وسلَّمت عليه . فقال : ما أقدمك ؟ فقلت : أمر أذكره بعد . فرحّب ، وافترقنا . فراسلته في هذا المعنى ، وشرحته له ، فأظهر من المنع القبيح ، والردّ الشديد ، غير قليل . ثم شافهته ، فكان أشدّ امتناعا .

--> « 1 » أبو بكر محمد بن طغج الاخشيد صاحب مصر ، ولد ببغداد وتقلب في أعمال الدولة ، وولي مصر فاستولى عليها وعلى الشام ، توفي سنة 334 ( الأعلام 7 / 44 ) . « 2 » يعتبر الجيش مزاح العلة ، إذا كان أفراده قد أعطوا أرزاقهم ، وسدت نفقاتهم ، وعرضت دوابهم وبغالهم . « 3 » حمى الربع : بكسر الراء : الحمى التي تجيء كل رابع يوم . « 4 » الموصل : إحدى قواعد بلاد الإسلام ، قليلة النظير ، كبرا ، وعظما ، وكثرة خلق ، وسعة رقعة ، وهي محط رحال الركبان ، ومنها يقصد إلى جميع البلدان ، تقع على دجلة ، ومقابلها نينوى ( معجم البلدان 4 / 682 ) ، أقول : ومن جملة أسمائها الآن ، الحدباء ، وأم الربيعين ، ورأس العراق .