القاضي التنوخي

112

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فشممت شيئا ، لم أدر ما [ 93 ] هو ، لا يشبه الندّ ، ولا العود ، ولا شيئا طيّبا نتبخّر به ، ما شممت مثله قط . فقلت : يحقّ لهذا أن يوصيني به الملك بما وصّى . فقال : اصبر ، حتى أريك منه أعجب ممّا رأيت . ودعى بطشت وماء ، فأحضرهما ، وأمر بغسل المنديل بالصابون ، فغسل بين يديه ، ثم أمر بأن يجفف في الشمس ، ويحضر . قال : ففعل . ثم قال : شمّه . فشممت الرائحة بعينها ، لم تتغيّر ، ولا نقصت . فأعاد الغسل بالصابون ، والتجفيف ، دفعات تقارب العشرة ، إلى أن انقطعت الرائحة في الأخيرة . فهالني ذلك . فقال : اعرف الآن قدر ما معك ، واعلم أنّه ليس في خزائن ملوك الهند كلَّها ، من هذا ، رطل واحد ، غير ما أعطيتك ، وعرّف صاحبك فضيلته . قال : فودعته ، وانصرفت . ورزق اللَّه السلامة ، ودخلت على المتوكَّل ، فسرّ بقدومي ، وأكرمني ، وسلَّمت إليه الهدايا ، فحسن موقعها منه ، وأعدت عليه أكثر حديثي مع الملك ، إلى أن بلغت خبر النصف رطل عود ، وأخرجته ، فسلَّمته إليه ، ولم أشرح [ 94 ] له خبر الخرقة . فاستحمق الرجل ، كما استحمقته ، فقصصت عليه الشرح ، وأخرجت المجمرة ، والنار ، وخرقة ، وفعلت كما فعل الملك ، فهاله ذلك ، أمرا عظيما ، وسرّ به سرورا شديدا ، وقال : هذا النصف رطل بسفرتك .