القاضي التنوخي

352

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

الصلاة ، ولا يذوق الطعام ، فتحيّر أهل البلد في أمره . وكان لا يخرج من الجامع إلَّا في الهاجرة ، في كل يوم دفعة ، حتى يمضي إلى تلك الميضأة ، فيبول ، ويعمد إلى تلك الآجرة ، وقد عرفها ، وعليها ذلك [ 188 ب ] المعجون ، وقد صار مستحيلا ، وصورته صورة الغائط الناشف المستحيل ، فمن يدخل ويخرج ، لا يشك أنّه غائط ، فيأكله ، ويقيم أوده ، ويرجع ، فإذا تمسّح لصلاة العتمة في الليل ، شرب كفايته من الماء . وأهل حمص يظنون أنّه لا يذوق الماء ولا الطعام ، وأنّه طاو طول تلك المدّة . فعظم شأنه ومحلَّه عندهم ، وقصدوه ، وكلَّموه ، فلم يجب ، وأحاطوا به ، فلم يلتفت ، واجتهدوا في خطابه ، فلزم لهم هذا الصمت والعمل . فزاد محلَّه عندهم ، حتى إنّهم كانوا إذا خرج للطهور ، جاؤوا إلى موضعه فيتمسّحون به ، ويأخذون التراب من موضع مشيه ، ويحملون إليه المرضى فيمسح بيده عليهم . فلمّا رأى أنّ منزلته قد بلغت إلى ذلك ، وكان قد مضى على هذا الفعل سنة ، اجتمع في الميضأة مع امرأته ، وقال : إذا كان يوم الجمعة ، كما تصلي الناس « 1 » ، فتعالي ، فاعلقي بي ، والطمي وجهي ، وقولي لي : يا عدوّ اللَّه يا فاسق ، قتلت ابني ببغداد ، وهربت إلى هاهنا ، وجئت تتعبّد ، وعبادتك مضروب بها وجهك . ولا تفارقيني ، وأظهري أنّك تريدين قتلي بابنك ، فإن الناس يجتمعون عليك ، وأمنعهم أنا من أذيّتك ، وأعترف بأنّي قتلته ، وتبت ، وجئت إلى هاهنا ، للعبادة والتوبة ، والندم على ما كان منّي .

--> « 1 » تعبير بغدادي يعني : عندما يصلَّي الناس .