القاضي التنوخي

34

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

فقويت نفسه ، ودخل المجلس ، وحامد في صدر دست عظيم ، برسم الوزارة ، في دار الخلافة ، وعلي بن عيسى عن يمينه ، وبجنبه ابن الحواريّ ، ونصر القشوري عن يساره ، وبجنبه أبو زنبور . فسلَّم ابن الفرات ، وتخطَّى حتى جلس بين يدي حامد ، فرفعه قليلا . وخاطبه ابن الفرات بالوزارة ، وسلَّم على عليّ بن عيسى ، وأدار عينه في المجلس ، فعرف كلّ من فيه ، إلَّا أبا زنبور ، فإنّه كان لغيبته بمصر ، لم يشاهده قط . فقال لمن كان إلى جانبه : من هذا ؟ فقال له : هذا أبو زنبور عامل مصر . فأحسّ ابن الفرات ، بأنّه في بليّة سببها أبو زنبور . فقال : تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه « 1 » . قال : وكان أبو زنبور قصيرا دميما مقبّحا . فقال أبو زنبور في الحال : لوددت أنّ الأرض ابتلعتني قبل ذلك . قال : فقال له حامد ، وعليّ بن عيسى : هذا فلان بن فلان ، عامل مصر ، قد ذكر أنّه كان يرفقك في كل شهر ، من مال عمله ، بعشرة آلاف دينار ، تكون لمدة ولايتك ، كذا وكذا ، وما حملت لبيت المال شيئا منها ، ويجب الآن عليك أداءها ، فما تقول ؟ فقال لهما : إنّ هذا - وأومأ إلى أبي زنبور - إن كان قد أمر بالسعاية ، بوزير عامله ، فكشف ستره في أيّام نكبته ، وسعى بمرفق أرفقه به في حال ولايته ، وأبان بذلك عن قدر عقله ، وأمانته ، وعقل من يركن إليه مستأنفا ، فإنّه قد صدق فيما أخبر به . ولم أكن لأرتفق هذا منه ، لأدع له شيئا من مال السلطان ، ولا لأمكَّنه

--> « 1 » تسمع بالمعيدي خير من أن تراه : مثل يضرب لذي الاسم الداوي فإذا اقترب لم يظهر منه طائل .