القاضي التنوخي
299
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
وندبنا أكابر الغلمان ، وثقاة الخدم ، لتسييرهم بأعمّ رأفة وأتمّ رفق ، حسب ما أمرنا به من ترفيه السبي ، ومراعاة الأسرى ، إلى أن عبرنا بجميعهم من الفرات ، بحيث سألنا صاحبهم الانجذاب إليه ، ورغب إلينا في النزول عليه ، تأنّسا بمجاورة الدروب المستصعبة ، وحذرا من مفارقة الجبال المستعصمة . فلما اقتضى قربنا سرعة المسير ، وتنجّزه دنوّنا لإمضاء الأمر بعد التقرير . أقدم مرتابا بإقدامه ، وسار متّهما عواقب رأيه واعتزامه ، بجموع يفرّق الجزع آراءها ، وقلوب يشتت الخوف أهواءها ، وأفكار مكدودة بالوجل ، ومنن « 1 » مستعبدة لأوامر الفشل ، يحسبون كل صيحة عليهم ، هم العدوّ فاحذرهم ، إلى أن حلّ بفنائنا ملقيا مقاليد أمره [ 171 ب ] إلى الاستسلام ، وآخذا من وفائنا بأوكد ذمام . وافتتحنا الفداء يوم السبت غرّة رجب الذي هو غرّة الأشهر الحرم ، وقد عرّف اللَّه تعالى المسلمين ما استودعناه من صالح الأعمال ، وزكيّ الأفعال ، وتعجّل البركات ، وتناصر الخيرات ، فاستمرّ بأكمل هدي ، وأنجح سعي ، وأبسط قدرة ، وأعمّ نصرة ، وأعزّ سلطان ، وأوضح برهان ، وكلمة اللَّه العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى ، واللَّه عزيز حكيم . ولم تزل الحال في ذلك جارية على أحكم نظام ، وأحسن التئام ، إلى أن استنقذ اللَّه بنا من كاد تطاول الأسر يستغويه ، والإياس من الخلاص أن يرديه ، وهم على أفضل ما عهدناهم عليه من حسن اليقين ، والتمسّك بعصم الدين . وسار عنّا من فاديناه من البطارقة المذكورين ، والزراورة المشهورين ، بأجسام ضاعنة ، وقلوب قاطنة ، تتلفّت إلى ما خلَّفته من غامر تفضّلنا ، وألفته من ألطاف تطوّلنا .
--> « 1 » المنن : مفردها منة : القوة .