القاضي التنوخي
168
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فخاصموها إلى قاضي البلد ، فلم تنقطع الخصومة . فدخلوا الحضرة « 1 » ، وتظلَّموا منها فأشخصت ، وحملت [ 157 ط ] إلى القاضي أبي جعفر بن البهلول ، ووقّع إليه بالنظر فيما بينهم على طريق المظالم . فحضروا عنده وأخذ يسائلهم عن دعواهم « 2 » ، وهي منكرة جميعها . فقالوا له : أيّها القاضي ، فلان أنت أعرف الناس [ بعظم ] « 3 » مروءته وثيابه ، وما كنت تشاهده له ، وكلَّه كان في يدها له . وساعة مات ختمنا خزائنه ، وهي كانت في الدار ، ولمّا فتحناها لم نجد له فيها إلَّا عدّة صناديق فيها سراويلات ، وقطعا يسيرة من ثيابه . فأين مضى هذا ؟ ومن أخذه ؟ وما السبب في عظم السراويلات وقلَّة الثياب ؟ قال : فأقبلت الجارية محتدّة ، كأنّها قد اعدّت الجواب ، فقالت : أعزّ اللَّه القاضي ، أما سمعت ما حكاه الجاحظ من أنّ رجلا كان يعشق الهواوين « 4 » ، فجمع منها مائتي هاون ، هذا كان يعشق السراويلات . قال : فضحك القاضي أبو جعفر ، وانفضّ « 5 » المجلس عن غير شيء . فما انتصفوا منها بعد ذلك .
--> « 1 » الحضرة والحاضرة : المدينة الكبيرة ، وهي هنا تعني دار المملكة . « 2 » في ط : يسائلها عن دعواها . « 3 » الزيادة من ط . « 4 » الهواوين : مفردها هاون : يدق فيها الدواء ، فارسية ( الألفاظ الفارسية المعربة 159 ) أقول : والكلمة مستعملة في العراق وتطلق على أداة من النحاس أو الشبه يدق فيها ما يحتاج إلى دقه من ملح وحمص وفلفل لتحضير الطعام . « 5 » في ط : وانقضى .