القاضي التنوخي
147
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
قال : إذا رأيت السلطان قد رفع من أهلك رجلا ، أو الزمان قد نوّه به ورأسه ، فإيّاك أن تحسده ، وتشغل نفسك بعداوته ، فإنّك تتعب ، ولا تصل إلى فائدة ، وتسقط أنت ، ولا يضرّه هو ، وتغتمّ أنت ، ولا يتأذّى هو ، وتغضّ من نفسك ، بغضّك من رجل صار كبيرا من أهلك ، فإنّه ما ارتفع إلَّا بآلة فيه ، يدفعك بها ، أو إقبال بدفعك عنه ، واجهد أن تخدمه ، وتصافيه الودّ ، ليكون ذلك الفضل الذي فيه ، فضلا لك ، وذلك الفخر راجعا إليك ، وتتجمّل بثنائه عليك ، وإطرائه لك ، وتصير أحد أعوانه ، فإنّه أحسن بك من أن تكون من أعوان غيره ممّن ليس من أهلك ، ويراك الناس عنده وجيها ، فيكرمونك له ، فإن كان له منزلة من السلطان ، جاز أن تصل إليها باستخلافه إيّاك [ 150 ط ] عليها ، وانتقاله إلى ما هو أكبر منها ، وكذلك إن كانت منزلته من غير سلطان ، فلا تقل أنا أقعد منه في النسب ، وأنّي خير قرابته ، وهذا أمس كان وضيعا ، وكان دوننا ، فإنّ الناس بأوقاتهم . فقلت : نعم يا سيدي . قال : ثم أقبل عليّ ، وونّسني ، وولَّد لي في نفسه ، القيام على تلك الدواب ، منزلة . فقال : اخرج معي إلى العمل . وخرج ، فخرجت معه ، وكنت أسايره إلى جسر النهروان وأحادثه ، فولَّد ذلك الانبساط في نفسي طمعا فيه ، وأن أسأله شيئا . فذكرت بجسر النهروان ، أنّ له ضيعة جليلة عظيمة ، بنواحي الموصل ، يقال لها : النهروان ، كنت أشتهيها . فقلت له : يا سيّدي ، قد [ 121 ب ] كثرت مؤونتي ، وتضاعفت نفقتي ،