القاضي التنوخي
141
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
فأخرجها ، وسلَّمها إلي ، وقد كان كلامه أثّر فيّ ، فدخلت حجرة كانت برسمي في داره ، فخلوت فيها ، ولم أتشاغل يومي وليلتي بشيء غير حفظها . فلما كان في السحر ، كنت قد فرغت من جميعها ، وأتقنتها ، فخرجت إليه غدوة على رسمي ، فجلست بين يديه . فقال : هي ، كم حفظت من القصيدة ؟ فقلت : قد حفظتها بأسرها . فغضب ، وقدّر أنّي قد كذبته ، وقال لي : هاتها . فأخرجت الدفتر من كمّي ، فأخذه ، وفتحه ، ونظر فيه ، وأنا أنشد ، إلى أن مضيت في أكثر [ 119 ب ] من مائة بيت . فصفح منها عدّة أوراق ، وقال : أنشد من هاهنا . فأنشدت مقدار مائة بيت [ أخر ، فصفح إلى أن قارب آخرها بمائة بيت ، فقال أنشدني من هاهنا ، فأنشدته مائة بيت منها ] « 1 » إلى آخرها . فهاله ما رآه من حسن حفظي ، فضمّني إليه ، وقبّل رأسي وعيني ، وقال : باللَّه ، يا بنيّ ، لا تخبر بها أحدا ، فإنّي أخاف عليك من العين « 2 » .
--> « 1 » الزيادة من ط . « 2 » قال المؤلف عن والده : إن علم الفقه والفرائض رأس ماله ، وإنه كان يحفظ شيئا كثيرا من الكلام والمنطق والهندسة وعلم النجوم والأحكام والهيأة والعروض والشعر ، وكان يحفظ ويحدث فوق عشرين ألف حديث ( راجع القصة 7 / 121 من النشوار ) .