القاضي التنوخي
45
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
من الفقر ، وإنّما أريد الزيادة في الجاه ، واتّصال نفوذ الأمر والنهي ، وقد عشت طول هذه السنين ، آمرا ، ناهيا ، مستورا في صناعتي ، ما تعرّض لي أحد من الوزراء ، ولا تعرّضت لهم ، وسلمت عليهم ، وسلموا عليّ ، ومهما عمله الوزير فيّ من الغضّ فليس يمكنه أن يزيل من نفوس الخاصّة والعامّة ، أنّي خلفت إسماعيل بن بلبل على الوزارة ، وتقلَّدت كذا وكذا ، وأخذ يعدّد كبار الأعمال التي وليها ، وأنّ مثل هذا لا يناط بعاجز ، ولا أن يستخرج من النفوس عظم محلَّي فيها ، مع سعة الحال ، وكثرة الضياع والمال ، ولا يمكنه في طمس محلَّي أكثر مما قد عمله ، وأنا بين أمور ، إمّا توصّلت إلى إزالة ذلك عنّي بما لعلَّه يثقل على الوزير ، أو آثرت صفاء نيته فاستعفيت من العمل ، ولزمت بيتي ، فلم أكن فيه خاملا ولا ساقطا ، ثم حصلت حيث أختار ، من الكون في جملة أولياء الوزير أو أعدائه ، فإمّا أعفاني ممّا يستعمله معي ، وردّني إلى العادة التي يستحقّها من نصب في مثل منصبي ، أو أعفاني من العمل لألزم بيتي . فقلت له : يا أبا عيسى ، لن ترى بعد هذا شيئا تنكره ، ولن أكون لك إلَّا على أفضل محبّتك ، فبكَّر إليّ ليبين لك مصداق ذلك . فلمّا جاءني اليوم ، عاملته بما رأيته .