القاضي التنوخي

36

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

10 حكاية تدل على ذكاء التاجر أبي عبد اللَّه بن الجصّاص حدّثني أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد بن بكر بن داسة ، قال : حدّثني بعض شيوخنا قال : كنّا بحضرة أبي عمر القاضي « 1 » ، فجرى ذكر ابن الجصّاص وغفلته ، فقال أبو عمر : معاذ اللَّه ما هو كذلك ، ولقد كنت عنده منذ أيّام مسلَّما ، وفي صحنه سرادق « 2 » مضروب ، فجلسنا بالقرب منه نتحدّث ، فإذا بصرير نعل من خلف السرادق فصاح : يا غلام جئني بمن مشت خلف السرادق الساعة ، فأخرجت إليه جارية سوداء . فقال : ما كنت تعملين هاهنا ؟ قالت : جئت إلى الخادم أعرّفه أنّي قد فرغت من الطبيخ ، وأستأذن في تقديمه . فقال : انصرفي لشأنك . فعلمت أنّه أراد أن يعرّفني أنّ ذلك الوطء وطء سوداء مبتذلة ، وأنّها ليست من حرمه ولا ممّن يصونه ، فيزيل عنّي أن أظنّ به مثل ذلك في حرمه ، فكيف يكون هذا مغفّلا ؟

--> « 1 » أبو عمر القاضي : محمد بن يوسف بن يعقوب الأزدي ، ولد بالبصرة سنة 243 وكان ثقة ، فاضلا ، غزير العقل والحلم والذكاء ، ويضرب المثل بعقله وسداده وحلمه ، فيقال في العاقل الرشيد : كأنه أبو عمر القاضي ، وفي الحليم : لو أني أبو عمر ما صبرت ، ولي قضاء مدينة المنصور والأعمال المتصلة بها في السنة 264 وجلس في جامع المدينة ثم استخلفه أبوه على القضاء بالجانب الشرقي إلى سنة 292 ثم صرف عن القضاء سنة 297 وفي السنة 317 قلد قضاء القضاة ، وتوفي في السنة 320 ( المنتظم 6 / 246 ) . « 2 » السرادق : الخيمة ، أو الفسطاط الذي يمد في صحن البيت .