القاضي التنوخي
16
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
كنت بحضرة أبي مخلد عبد اللَّه بن يحيى الطبريّ صاحب معز الدولة « 1 » فجرى ذكر الكرم والكرام ، والجود والأجواد ، وما كانت البرامكة وغيرها تأتيه من الأفضال على الناس ، فأخذ أبو مخلد يدفع هذا ويبطله ، حتى قال : هذه حيل نصبها الشحّاذون على دراهم الناس ، لا أصل لها . فقلت له : أيها الشيخ إن قلت ذلك ، فقد قال صاعد « 2 » مثله ، فأجيب . فقال : ما قال ؟ فقلت له : حكي له جود البرامكة ، فقال : هذا من موضوعات الورّاقين وكذبهم ، وكان أبو العيناء « 3 » حاضرا ، فقال له : فلم لا يكذب على الوزير أعزّه اللَّه [ مثل هذا ] « 4 » وهو [ حيّ ] « 5 » يرجى ويخاف ، وأولئك موتى مأيوس من خيرهم وشرّهم مثل هذا الكذب ؟ قال : فخجل أبو مخلد .
--> « 1 » أبو مخلد عبد اللَّه بن يحيى الطبري صاحب معز الدولة : كان من رجال مرداويج ، وصاحب دولته ، ولما قتل مرداويج أصبح من أكابر رجال معز الدولة ، وكان أثيرا عنده ، يعتمده في جليل أموره . ( راجع تجارب الأمم 1 / 316 و 2 / 155 ) . « 2 » صاعد بن مخلد : كاتب الأمير الموفق الناصر لدين اللَّه والد المعتضد ، كان عظيم السطوة في الدولة ، مستوليا على الأمير الموفق ، سار سنة 272 إلى فارس لقتال عمرو بن الليث الصفار فظفر به ، فأمر الموفق جميع القواد أن يستقبلوه ، فترجلوا له ، وقبلوا يده ، وهو لا يكلمهم تيها وكبرا ، ثم قبض عليه الموفق وعلى جميع أهله وأصحابه ، ونهب منازلهم ( الكامل لابن الأثير ج 7 ) ومات صاعد في الحبس سنة 276 وكانت غلته السنوية من ضياعه ألف ألف وثلاثمائة ألف دينار ( مروج الذهب 2 / 480 ) . « 3 » أبو العيناء : محمد بن القاسم بن خلاد ، أبو عبد اللَّه الضرير ، مولى أبي جعفر المنصور ، ولد بالأهواز سنة 191 ، ونشأ بالبصرة ، وعمي وهو ابن أربعين سنة ، وكان من أفصح الناس وأسرعهم جوابا ، وأقام ببغداد طويلا ، ثم ركب يريد البصرة في سفينة فيها ثمانون نفسا ، فغرقت ، فلم يسلم غيره ، فلما وصل البصرة مات سنة 282 ( المنتظم 5 / 156 ) . « 4 » الزيادة من ط . « 5 » الزيادة من ط .