القاضي التنوخي

12

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

إلَّا فيها ، وليستفيد منها العاقل اللبيب ، والفطن الأريب ، إذا طرقت سمعه ، وخالطت فهمه ، من آداب النفس ، ولطافة الذهن والحسّ ، ما يغنيه عن مباشرة الأحوال ، وتلقّي مثله من أفواه الرجال ، ويحثّه على العلم « 1 » بالمعاش والمعاد ، والمعرفة بعواقب الصلاح والفساد ، وما تفضي إليه أواخر الأمور ، ويساس به كافة الجمهور ، ويجنّبه من المكاره حتى لا يتوغل في أمثالها ، ولا يتورّط بنظائرها وأشكالها ، ولا يحتاج معها إلى إنفاد « 2 » عمره في التجارب ، وانتظار ما تكشفه له السنون من العواقب . فأوردت ما كتبته ممّا كان في حفظي سالفا ، مختلطا بما سمعته آنفا ، من غير أن أجعله أبوابا مبوّبة ، ولا أصنّفه أنواعا مرتّبة ، لأن فيها أخبارا تصلح أن يذاكر بكلّ واحد منها في عدّة معاني « 3 » وأكثرها ما لو شغلت نفسي فيه ، بالنظم والتأليف ، والتصنيف والترتيب ، لبرد واستثقل ، وكان إذا وقف قارئه على خبر من أوّل كلّ باب فيه ، علم أن مثله باقيه ، فقلّ لقراءة جميعه ارتياحه ونشاطه ، وضاق فيه توسّعه وانبساطه ، ولكان ذلك أيضا يفسد ما في أثنائه من الفصول والأشعار ، والرسائل والأمثال ، والفصول التي إن رتّبت على الأبواب وجب أن توصل بما تقدّم من أشباهها ، وتردّد في الكتب من أمثالها ، فينتقض ما شرطناه ، ويبطل [ 5 ط ] ما ذكرناه ، من أنّ هذه الأخبار جنس لم يسبق إلى كتبه « 4 » ، وأنا إنّما تلقّطتها من الأفواه دون الأوراق ، ويخرج بذلك عن القصد والمراد ، والغرض

--> « 1 » في ب : ويحنكه في العلم . « 2 » أنفد : أفنى . « 3 » في ب : مكان . « 4 » يعني لم يسبق إلى كتابته ، يقال : كتب كتبا وكتابا وكتبة وكتابة : يعني صور اللفظ بحروف المعجم .