القاضي التنوخي
8
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
والخوف من ملل يلحق السامعين لعلومهم وحكمهم ، نفيا للمساكنة ، واجترارا للمثافنة « 1 » ، وصلة للمجالسة ، وفتحا للمؤانسة ، وسبرا « 2 » لأحاديث الدنيا ماضيها وباقيها ، وتواصفا لسير أهلها وما جرى فيها ، وتمثيلا بين ما شاهدوه منها ، وسمعوه عنها ، [ وعابوه من فعلها ] « 3 » وعانوه من تقلَّبها ، وقاسوه من تصرّفها ، وأخبروا به من عجائبها ، ويوردون كل فنّ من تلك الفنون على حسب ما تقتضيه المحادثة ، وتبتغيه المفاوضة ، فأحفظ عنهم ذلك في الحال وأتمثّل به وأستفيده في أحوال . فلمّا تطاولت السنون ، ومات [ أكثر أولئك ] « 4 » المشيخة الذين كانوا مادّة هذا الفنّ ، ولم يبق من نظرائهم إلَّا اليسير الذي إن مات ولم يحفظ عنه ما يحكيه ، مات بموته ما يرويه ، ووجدت أخلاق ملوكنا [ 3 ب ] ورؤسائنا لا تأتي من الفضل ، بمثل ما تحتوي عليه تلك الأخبار من النّبل ، فيستغنى بما يشاهد من نظيره ، عن حفظ ما سلف وتحبيره ، بل هي مضادّة لما تدلّ عليه تلك الحكايات من أخلاق المتقدّمين وضرائبهم ، وطبائعهم ومذاهبهم ، حتى إنّ من بقي من هؤلاء الشيوخ إذا ذكر ما يحفظه من هذا الجنس بحضرة أرباب الدولة ، ورؤساء الوقت ، خاصّة ما كان منه متعلَّقا بالكرم ، ودالا على حسن الشيم ، ومتضمّنا ذكر وفور النعم ، وكبر الهمم ، وسعة الأنفس ، وغضارة الزمان « 5 » ، ومكارم الأخلاق ، كذّبوا به ودفعوه ، وحصّلوه في أقسام الباطل واستبعدوه ، ضعفا عن إتيان مثله ، واستعظاما منهم لصغير ما وصلوا إليه ، بالإضافة إلى كبير
--> « 1 » المثافنة : المجالسة والمحاورة . « 2 » في ب وط : سيرا ، والصحيح ما أثبتناه ، والسبر : التجربة والاختبار . « 3 » الزيادة من ط . « 4 » الزيادة من ط . « 5 » الغضارة : النعمة وطيب العيش .