القاضي التنوخي
235
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
الساجي « 1 » ، فيجلس إليه ، وربما سبقه ، وجاء أبو يحيى ، وجلسا يتحدّثان ، ويجتمع إليهما أترابهما ، وإخوانهما القدماء ، فيستعملون من التخالع والانبساط في الحديث ، والمزح ، ما ليس بقليل . ويجيء سعيد الصفّار ، وكان يخلف أبا أميّة على البصرة ، بقلنسوة عظيمة ، وقميص ، وخفّ ، وطيلسان ، فيسلَّم عليه بالقضاء ، ويشاوره في الأمور ، فيقول له : قم عنّي ، لا يجتمع عليّ الناس ، لا تقطعني عن لذّتي بمحادثة إخواني القدماء ، قم إلى مجلسك . فيقوم سعيد ، فيجلس بالبعد منه في الجامع ، في موضع برسمه ، ينظر بين الناس . وما كان ذاك يغضّ من قدره عند الناس ، وكانت سيرته أحسن سيرة ، واستعمل من العفّة عن الأموال ، ما لم يعهد مثله . وكان ديوان وقوف البصرة إذ ذاك ببغداد ، فإذا أراد أحد أربابها شيئا ، خرجوا إلى بغداد حتى يوردوا الأمر فيه من الحضرة ، فلحق الناس مشقّة ، فنقل أبو أميّة ديوانها إلى البصرة ، فكثر الدعاء له ، وصارت سنّة ، وبقي الديوان بالبصرة . وكان - مع هذا - يتيه على ابن كنداج ، وهو أمير البصرة « 2 » ، ولا يركب إليه مرّة ، إلا إذا جاءه ابن كنداج مرّة ، ويعترض على ابن كنداج
--> « 1 » أبو يحيى زكريا بن يحيى الساجي البصري الحافظ : محدث البصرة ، روى عن هدبة بن خالد وطبقته ، وله كتاب في علل الحديث ، قال الأسنوي : منسوب إلى الساج ، وهو نوع من الخشب ، كان أحد الأئمة الفقهاء ، الحفاظ ، الثقات ، وذكره الشيخ أبو إسحاق في طبقاته ، فقال : أخذ عن الربيع والمزني وصنف كتاب اختلاف الفقهاء وكتاب علل الحديث ، وتوفي بالبصرة سنة 307 ( شذرات الذهب 2 / 250 ) . « 2 » محمد بن إسحاق بن كنداج ( كنداجيق ) : كان متقلدا أعمال المعاون بالبصرة ، وفي عهده - بدأ تعرض القرامطة بالبصرة سنة 299 ، توفي بالدينور سنة 304 وكان يتقلدها ( تجارب الأمم 1 / 33 ) وأبوه إسحاق بن كنداج كان عاملا على الموصل وعامة الجزيرة سنة 269 وكان له موقف فاصل حال به دون انحياز الخليفة المعتمد إلى أحمد بن طولون وأعاده من الرقة إلى حاضرة ملكه ، فخلع عليه ولقب ذا السيفين ( المنتظم 5 / 65 ) .