القاضي التنوخي

142

نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة

71 الأمير معز الدولة وحدّة طبعه وكانت عادة الأمير معزّ الدولة ، إذا حمي جدا ، أن يأمر بالقتل ، ويكره أن يتمّ ذلك ، ويعجبه أن يسأل العفو . وقد فعل هذا ، كثيرا جدّا ، بخلق من جملة أصحابه . وأوّل ما عرف ذلك منه ، وأقدم لأجله على مساءلته العفو ، إذا أمر بقتل صاحب له ، أنّه أنكر على رجل بالأهواز ، وهو إذ ذاك مقيم بها ، وكان الرجل ضرّابا « 1 » يعرف « 2 » بابن كردم ، أهوازيّ ، ضمن منه عمالة دار الضرب بسوق الأهواز ، فضرب دنانير رديئة ، ولم يعلم الأمير بها ، فأنفذها إلى البصرة ليشتري بها الدوابّ ، والبريديّون إذ ذاك بها ، فلم تؤخذ لشدّة فسادها ، فردّت ، وعاد الراضة الذين كان أنفذهم لذلك ، فعرّفوه الخبر ، فحمي [ 47 ب ] ، وأحضر ابن كردم هذا ، وخاطبه ، وازداد طبعه حميا ، إلى أن أمر بأن يخنق على قنطرة الهندوان « 3 » ، بالأهواز . فأخرج من بين يديه ، وخنق ، ومات ، وعاد من كان أمره بذلك ، فوقف بحضرته . فقال له : ما فعل الرجل ؟ قال : خنقناه ومات . فكاد أن يطير غضبا ، وشتمه ، وشتم الحاضرين ، وقال : ما كان فيكم من يسألني أن لا أقتله ؟ وأخذ يبكي ، وكان فيه تحرّج من القتل . فقالوا : ما علمنا ، وخفناك . فكان بعد ذلك إذا أمر بقتل إنسان ، سئل ، وروجع ، فيعفو .

--> « 1 » الضرّاب : الذي يسك النقود . « 2 » في ب : يضرب ، والتصحيح من ط . « 3 » الهندوان : نهر بين خوزستان وارّجان ، عليه ولاية ( معجم البلدان 4 / 993 ) .