القاضي التنوخي
77
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
قال : ثمّ أخذ الدواة ، فوقّع لي إلى خازنه بثلاثة آلاف دينار صلة فأخذتها ، وامتنعت أن أعرض عليه شيئا ، ولم أدر كيف يقع منه . فلما كان من غد جئته ، وجلست على رسمي ، فأومأ إليّ ، أن هات ما معك ، يستدعي منّي الرقاع على الرسم . فقلت : ما أخذت رقعة من أحد ، لأنّ النذر قد وقع الوفاء به ، ولم أدر كيف أقع من الوزير . فقال : سبحان اللَّه ، أتراني كنت أقطع شيئا قد صار لك عادة [ 28 ب ] ، وعلم به الناس ، وصارت لك به منزلة عندهم وجاه ، وغدوّ ورواح إلى بابك ، ولا يعلم سبب انقطاعه ، فيظن ذلك لضعف جاهك عندي ، أو تغيّر رتبتك ؟ أعرض عليّ على رسمك ، وخذ بلا حساب . فقبّلت يده ، وباكرته من غد بالرقاع ، وكنت أعرض عليه كل يوم شيئا إلى أن مات ، [ وقد تأثّلت حالي وكبرت ] « 1 » .
--> « 1 » الزيادة من ط . أورد ابن الجوزي في كتابه المنتظم ( 6 / 177 ) هذه القصة ، ثم علق عليها بما يلي : قال المصنّف : رأيت كثيرا من أصحاب الحديث والعلم ، يقرأون هذه الحكاية ، ويتعجبون مستحسنين لهذا الفعل ، غافلين عما تحته من القبيح ، وذلك أنه يجب على الولاة إيصال قصص المظلومين وأهل الحوائج ، فإقامة من يأخذ الاجعال على هذا قبيح حرام ، وهذا مما يهن به الزّجاج وهنا عظيما ، ولا يرتفع ، لأنه إن كان لم يعلم ما في باطن ما قد حكاه عن نفسه فهذا جهل بمعرفة حكم الشرع ، وإن كان يعرف فحكايته في غاية القبح ، نعوذ باللَّه من قلة الفقه .