القاضي التنوخي
71
نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة
بإطلاقها على الإدرار ، فبلغت الجريدة ثلاثة آلاف وكسرا في الشهر ، وعملت في المجلس وأطلق مالها وامتثل جميع ما رسم به أبو محمد . فلم يبق أحد إلَّا بكى رقّة واستحسانا لذلك . ولقد رأيت أبا عبد اللَّه محمد بن الحسن الداعي العلويّ « 1 » رحمه اللَّه ، ذلك اليوم ، وكان حاضرا المجلس ، وقد أجهش بالبكاء ، وأسرف في شكر أبي محمّد ، وتقريظه ، على قلَّة كلامه إلَّا فيما يعنيه ، وعلى سوء رأيه - كان - في أبي محمد ، ولكنّ الفضل بهره ، فلم يمنعه ما بينهما ، أن نطق بالحق . وقلت أنا ، لأبي محمد في ذلك اليوم : لو كان الموت يستطاب في وقت من الأوقات ، لطاب لكل ذي ذيل طويل ، في أيّام سيّدنا الوزير [ أطال اللَّه بقاءه ] « 2 » ، فإنّ هذا الفعل ، تاريخ الكرم ، [ وغاية تسامي الهمم ] « 3 » [ 23 ط ] وبه يتحقّق ما يروى عن الأسلاف من الأجواد ، والماضين من الكرماء الأفراد ، وغير ذلك ، ممّا حضرني في الحال . ثم نهض أبو محمّد رحمه اللَّه ، فارتفعت الضجّة من النساء ، والرجال ، وأهل الدار ، والشارع ، بالدعاء له ، والشكر .
--> « 1 » أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن بن القاسم ، ووالده الحسن بن القاسم الملقب بالداعي ، إمام الزيدية الذي قام بالري وقتل سنة 316 ، وكان أبو عبد اللَّه هذا مقيما ببغداد ، ولم يكن ما بينه وبين الوزير المهلبي عامرا ، ولكن معز الدولة كان يجله كثيرا ، وبلغ من إجلاله له ، أنه دخل عليه يوما وهو مريض ، فقبل يده استشفاء بها ، وحدث أن غاب معز الدولة في السنة 353 عن بغداد ، فلقي أبو عبد اللَّه ما ساءه من أحد أتباع عز الدولة بختيار بن معز الدولة ، فغضب ، وترك بغداد إلى بلد الديلم ، حيث اجتمع عليه عشرة آلاف رجل ، وتلقب بالمهدي لدين اللَّه ، وظفر في عدة حروب ، وتوفي في السنة 359 ( تجارب الأمم 1 / 207 - 216 و 2 / 78 ) . « 2 » وردت في ط . « 3 » وردت في ط .