زكي مبارك

91

عبقرية الشريف الرضي

وكان الشريف الرضي ينظر إلى تلك المواكب بعين القلق والحيرة : لأن الظروف السياسية كانت ضيقت عليه الخناق ، وأقصت عنه أسباب السلطة الأدبية ، وهي سلطة هائلة كان لها الأمر يومئذ في مصاير الرجال . وسترون في المحاضرة المقبلة تفصيل هذا الجانب من حياة الشريف ، ولكن المهم في هذه اللحظة أن تثقوا بأن الظروف هي التي أحرجته وقضت عليه وهو رجل مهذب بأن يخرج على قواعد الذوق فيزهى بشعره ويختال ، المهم عندي أن تعذروا الشريف حين ترونه يقول : سيسكتني يأسي وفي الصدر حاجة * كما أنطقتني والرجال المطامع بضائع قول عند غيري ربحها * وعندي خسراناتها والوضائع غرائب لو هدّت على الطود ذي الصّفا * أصاخ إليها يذبل والقعاقع تضاع كما ضاعت خلاة بقفرة * زفتها النّعامى والرياح الزعازع ( 1 ) كأن لساني نسعة حضرمية * طواها ولم يبلغ لها السوم بائع ( 2 ) لقد كان لي عن باحة الذل مذهب * ومضطرب عن جانب الضيم واسع وما مدّ ما بيني وبين مذاهبي * حجاز ولا سدّت عليّ المطالع ( 3 ) سيدرى من المغبون منا ومنكم * إذا افترقت عما نقول المجامع وهل تدّعي حفظ المكارم عصبة * لئام ومثلي بينها اليوم ضائع نعم لستم الأيدي الطوال فعاونوا * على قدركم قد تستعان الأصابع إذا لم يكن وصلي إليكم ذريعة * فيا ليت شعري ما تكون الذرائع أرى بارقا لم يروني وهو حاضر * فكيف أرجّي ريّه وهو شاسع سأذهب عنكم غير باك عليكم * وما لي عذر أن تفيض المدامع وأعتدّ فجا أنتم من حلاله * ثنيّة خوف ما له اليوم طالع ( 4 )

--> ( 1 ) الخلاة واحدة الخلا وهو الرطب من النبات ، والنعامى بالضم ريح الجنوب ، وزفته طردته ( 2 ) النسعة قطعة من النسع وهو سير من الجلد تشد به الرحال ( 3 ) الحجاز : هو الحاجز ( 4 ) الحلال بالكسر هم النازلون بالمكان . والثنية : العقبة في الجبل .