زكي مبارك

82

عبقرية الشريف الرضي

وميدان تجول به خيول * تقود الدارعين ولا تقاد ركبت به إلى اللذات طرفا ( 1 ) له جسم وليس له فؤاد * جرى فظننت أن الأرض وجه ودجلة ناظر وهو السّواد * وقد مضى السّلامي يبدع ويجيد حتى فتن أهل بغداد ، وحتى استطاع أن يقول : وفيهن سكرى اللحظ سكرى من الصّبا * تعاتب حلو اللفظ حلو الشمائل أدارت علينا من سلاف حديثها * كؤوسا وغنّتنا بصوت الخلاخل واستطاع أن يجيد وصف الزنابير التي تضجر أهل بغداد فيقول : ولابس لون واحد وهو طائر * ملوّنة أبراده وهو واقع أغرّ محشيّ الطيلسان مدبّج * وسود المنايا في حشاه ودائع إذا حكّ أعلا رأسه فكأنما * بسالفتيه من يديه جوامع يخاف إذا ولى ويؤمن مقبلا * ويخفي على الأقران ما هو صانع بدا فارسيّ الزي يعقد خصره * عليه قباء زيّنته الوشائع ( 2 ) فمعجره الورديّ أحمر ناصع * ومئزره التبريّ أصفر فاقع يرجّع ألحان الغريض ومعبد * ويسقي كؤوسا ملؤها السم ناقع والسّلامي هذا كان شغل أهل العراق في القرن الرابع فمنحوه لقب أمير الشعراء ، فانظروا كيف كان يصح للشريف الرضي أن يسكت عن ضياع شعره ، وهو أشعر من أمثال السلامي بلا جدال .

--> ( 1 ) الطرف بالكسر : الحصان . ( 2 ) الوشائع جمع وشيعة وهي الطريقة في البرد ، من الوشع وهو زهر البقول .