زكي مبارك
68
عبقرية الشريف الرضي
كيد كمارقة النصال ودونه * بشر كبارقة النصول اللمّع ( 1 ) نهّاز أذنبة الكلام إذا هفا * قلب الجريء وعيّ قول المصقع ( 2 ) قد قلت للمتعرضين لسطوه * خلَّوا وجار الأرقم المتطلَّع ( 3 ) وهذا فنّ جديد عند الشريف ، فأكثر من وصفهم بالبلاغة كانوا من رجال السيف ، أما عبد العزيز بن يوسف فلم يكن له من أدوات القتال غير القلم واللسان ، وقد وصف كلماته بأنها تفعل ما لا تفعل مشرعات الرماح ، وأنها تردّ الخيل المغيرة وعليها أقطاب الدارعين ، وحدد مقامه بين مقامات الأبطال بهذا البيت : إن لا تكن في الجمع أمضى طعنة * فلأنت أمضى خطبة في المجمع وقد وصفه بالكيد ، وذلك وصف طريف ، لأنه يفصح عن خصلة نادرة لا يجيدها إلا الأقلون ، والكيد سلاح عرفه الساسة من قديم الزمان وأنا لا أعرف من أصوله شيئا ، ولكني سمعت أنه يبني ويهدم ويبرم وينقض . والشريف يعني ما يقول وهو ينعت مبكيّة بالكيد في موقف لا تذكر فيه غير كرائم الخلال . وقد قلت في كتاب النثر الفني : إن ما بين أيدينا من أخبار عبد العزيز بن يوسف ورسائله لا يعطينا صورة صحيحة عن نفسه وأخلاقه ، فهل أستطيع اليوم أن أعتمد على حكم الشريف فأقول إن ذلك الكاتب كان من كبار الكائدين
--> ( 1 ) النصال والنصول جمع نصل وهو حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض . ( 2 ) الأذنبة جمع ذنوب بفتح فضم ، وهو الدلو . والنهاز الذي يضرب بالدلو في الماء لتمتلئ . والمقصع على وزن منبر البليغ أو العالي الصوت أو من لا يرتج عليه ولا يتتعتع ، ولعله جاء من الصقعاء وهي الشمس لما يمتاز به من الوضوح والجلاء . ( 3 ) الوجار بالكسر والفتح الجحر . والأرقم : الحية . وهو أخبث الحيات . والمتطلع وصف كاشف للارقم لأنه يتطلع إلى إيذاء الناس ويبدأ بالعدوان .