زكي مبارك

64

عبقرية الشريف الرضي

وسوّمها ملس المتون كأنها * نزائع من آل الوجيه ولا حق ( 1 ) تغلغل في أعقابهن وسومه * بأبقى بقاء من وسوم الأيانق ( 2 ) ففي الناس منها ذائق غير آكل * وقد كان منها آكلا غير ذائق ومن للمعاني في الأكمّة ألقيت * إلى باقر غيب المعاني وفاتق ( 3 ) يطوّح في أثنائها بضميره * مرير القوى ولَّاج تلك المضايق ( 4 ) تسنّم أعلا طودها غير عاثر * وجاوز أقصى دحضها غير زالق ( 5 ) فهو في الأبيات الأولى يصفه بحلاوة القول ، وهو في الأبيات الأخيرة يصفه بسياسة القول . ولا يلتفت إلى سياسة القول إلا الشعراء المثقفون الذين راضتهم الأيام على وزن مقامات البيان . ولا بأس من أن نستطرد قليلا فنقول : إن اهتمام الشريف بمدح ابن جنّى ورثائه موصول الأواصر بحياته الأدبية ، فقد كان ابن جنى شرح قصيدته الرائعة في رثاء إبراهيم بن ناصر الدولة الحمداني ، وهي التي يقول في مطلعها :

--> ( 1 ) سومها : أرسلها . والملس جمع أملس وهو الصحيح المتن أي الظهر . وفي المثل . « هان على الأملس ما لاق الدبر » يضرب في سوء اهتمام الرجل بشأن صاحبه . والنزائع جمع نزيع وهو الغريب . والوجيه ولا حق فرسان تنسب إليهما الخيل العتاق . ( 2 ) الوسوم : العلامات . وهي ما يوسم به الحيوان من ضروب الصور والايانق جمع الجمع للناقة التي تجمع على أينق ونياق وأنواق . ( 3 ) الأكمة جمع كمامة بالكسر وهي وعاء الطلع وغطاء النور . والباقر هو الذي يكشف مكنونات المعاني ، وبه سمي الباقر محمد بن علي بن الحسين رضي اللَّه عنهم لتبحره في العلم . والفاتق كذلك . ( 4 ) القوى جمع قوة وهي طاقة الحبل . والمرير المحكم القتل . والعبارة مجازية . ( 5 ) تسنم الطود : علاه . والطود : الجبل . والدحض : المكان الزلق وجمعه دحاض ومنه المدحضة وهي المزلة .