زكي مبارك
61
عبقرية الشريف الرضي
من للموارق يستردّ قلوبها * بزلازل الإبراق والإرعاد وصحائف فيها الأراقم كمّن * مرهوبة الاصدار والايراد ( 1 ) تدمى طوائعها إذا استعرضتها * من شدة التحذير والإبعاد ( 2 ) حمر على نظر العدوّ كأنما * بدم يخطَّ بهن لا بمداد يقدمن إقدام الجيوش وباطل * أن ينهزمن هزائم الأجداد فقر بها تمسي الملوك فقيرة * أبدا إلى مبدي لها ومعاد وتكون سوطا للحرون إذا ونى * وعنان عنق الجامح المتمادي ( 3 ) ترقى وتلدغ في القلوب وإن يشأ * حطَّ النجوم بها من الأبعاد ( 4 ) فماذا ترون في هذه الصورة الشعرية ، صورة القلم البليغ الذي يحز في قلوب الأعداء وكأنه السيف المسلول ، القلم البليغ الذي يستزل الرماح ويردّ الجنود ، ويسترد موارق القلوب بالترهيب والتخويف ، القلم الذي يصيّر الصحائف وكأنها مملوءة بكوا من الأراقم والصلال ، القلم الذي يخيّل الصحائف للعدو وهي حمر قانية كتبت بالدم لا بالمداد ، القلم الذي يسدّ مسدّ السوط في رياضة الحرون ، ومسدّ العنان في عنق الجواد الجموح ، القلم الذي يلدغ القلوب إن شاء ، ويرقيها إن شاء ، ويحطَّ النجوم من الابعاد حين يريد . إن هذا الوصف يعطينا فكرة واضحة عن فهم الشريف لقوة القلم البليغ ، وهو ليس كالوصف الذي رأيناه منذ لحظات ، وإنما هو وصف حي يأخذ ملامحه من قوة الاحساس ويقظة الجنان .
--> ( 1 ) الأراقم جمع أرقم وهو أخبث الحيات . والكمن جمع كامن وهو المستتر . والمرهوبة : المخوفة . ( 2 ) تدمي : يسيل منها الدم . والايعاد : الانذار . ( 3 ) الحرون : الذي يعف بعد أن يستدر الجري . والجامع : الذي يخرج على طاعة الفرس ( 4 ) ترقى : من الزقية بالضم وهي علاج المريض بالتعاويذ .