زكي مبارك
56
عبقرية الشريف الرضي
والشريف حين يمنح القلم هذه الأوصاف إنما يفعل ذلك وهو يتمثل ما صنعت الأقلام في بناء الممالك والشعوب ، ويتصور جناياتها على التيجان والعروش . وهو أيضا يشعر بمعنى الوصف ومعنى البيان ، فليست الأوصاف عنده تهاويل وتزاويق ، وإنما هي استقراء واستقصاء ، وليس البيان في فهمه ضربا من المحاجاة أو التنميق ، وإنما هو كشف وجلاء ، نعرف هذا من قوله في خطابه خاله أبي الحسين : يشيّعني بوصفك كل نطق * ويعرفني بمدحك من رآني وليس الوصف إلا بالتناهي * وليس القول إلا بالبيان وهو بهذا يثور على التقاليد الأدبية التي شاعت في القرن الرابع ، وكانت تعتمد على البهرج والبريق . وكان مع فهمه لقيمة البيان ذلك الفهم يدرك تمام الإدراك أن البيان يوجب على طالبه أن يكدّ خاطره في تصيّد كرائم المعاني وتحيّر الألفاظ الصّحاح التي لا يصلح بغيرها أداء ، نفهم ذلك من قوله عتاب الخليفة الطائع للَّه : فالآن منك اليأس ينقع غلَّتي ( 1 ) * واليأس يقطع غلَّة الظمآن فاذهب كما ذهب الغمام رجوته * فطوى البروق وضنّ بالتّهتان أو بعد أن أدمى مديحك خاطري * بصقال لفظ أو طلاب معاني وفي هذا المعنى نفسه يقول في مدح أبيه : قدها فغرّتها من الكلم الجنى * وحجولها من صنعة ومعاني ( 2 )
--> ( 1 ) الغلة بالضم : الظمأ الشديد . ( 2 ) الغرة : البياض في جبين الفرس . والحجول جمع حجل بالكسر وهو البياض في قوائم الفرس .