زكي مبارك
50
عبقرية الشريف الرضي
معروفا عند أدباء القرن الرابع ، فقد حدثنا الصاحب بن عباد أنه لم يجد فيمن صحبهم من الأدباء من يفهم الشعر كما كان يفهمه أبو الفضل ابن العميد « فإنه كان يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات ، ولا يرضى بتهذيب المعنى حتى يطالب بتخير الوزن والقافية » وحدثنا أن ابن العميد كان يقول « إن أكثر الشعراء ليس يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر ويبتدأ النسج لأن حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده ، والمعنى الذي اعتمده ، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا ومع أي القوافي يحصل أجمل إطراد » ( 1 ) فما كان ابن العميد يراه من الوجهة النظرية كان الشريف يحققه من الوجهة العملية ، وما كان الشريف شاعرا فحسب ، وإنما كان كذلك من أقطاب الناقدين . ويتصل بهذا حرصه على تحبير القصائد ، وقد كان ذلك الحرص يوقعه أحيانا في المضحكات ، فقد احتفل بنظم قصيدة يهنئ بها أخاه المرتضى بمولود ، ولكن شاء الحظ أن تلد امرأة أخيه بنتا ، فصرف القصيدة إلى غيره من الأصدقاء . وقد وقع له هذا الحادث المضحك مرتين ( 2 ) . وقيمة هذا الشاهد ترجع إلى دلالته على احتفال الشريف بقرض القصائد ، فقد كان يتخير المناسبات ويستعد لها أتم استعداد . وهناك وجه آخر من وجوه البصر بالتاريخ الأدبي ، فقد تفرد بميزة لم نجدها إلا قليلا عند غيره من الشعراء ، وتلك عنايته بتاريخ قصائده ، فهو الشاعر الوحيد الذي نجد جميع قصائده مؤرخة من بين سائر القدماء ، ولهذا التاريخ نفع من وجهتين : فهو أو لا شاهد على شعور الشريف بأن
--> ( 1 ) انظر تحقيق هذه القضية في كتاب النثر الفني ج 2 ص 52 و 56 . ( 2 ) انظر الديوان ص 251 و 462 .