الشيخ علي اليزدي الحائري
255
إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب
من يهرب ويسبي ذراريهم ، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال ، واصطفى من ولد هارون عزيرا ، وهم حينئذ صبية صغار فمكثوا في يده ، وبنو إسرائيل في العذاب المهين ، والحجة دانيال أسر في يد بخت نصر لعنه الله تسعين سنة ، فلما عرف فضله وسمع أن بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج من ظهوره وعلى يده ، أمر أن يجعل في جب عظيم واسع ويجعل معه أسد ليأكله ، فلم يقربه وأمر أن لا يطعم ، وكان الله تبارك وتعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يدي نبي من أنبيائه ، فكان دانيال يصوم النهار ويفطر بالليل على ما يدلى إليه من الطعام . واشتدت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره وشك أكثرهم في الدين لطول الأمد ، فلما تناهى البلاء بدانيال وقومه رأى بخت نصر لعنه الله في المنام كأن ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجب الذي فيه دانيال مسلمين عليه يبشرونه بالفرج ، فلما أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال ، فأمر بأن يخرج من الجب فلما خرج اعتذر إليه ما ارتكب منه ، ثم فوض إليه النظر في أمور ممالكه والقضاء بين الناس ، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل ، ورفعوا رؤوسهم واجتمعوا إلى دانيال موقنين بالفرج ، فلم يثبت إلا القليل على ذلك الحال حتى مات ، وأفضى الأمر بعده إلى عزير فكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون منه معالم دينهم ، فغيب الله تعالى عنهم شخصه مائة عام ثم بعثه وغابت الحجج بعده واشتدت البلوى على بني إسرائيل حتى ولد يحيى بن زكريا وترعرع ، فظهر وله تسع سنين فقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وذكرهم بأيام الله عز وجل ، وأخبرهم أن محن الصالحين إنما كانت لذنوب بني إسرائيل وأن العاقبة للمتقين ، ووعدهم الفرج بقيام المسيح بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول ، فلما ولد المسيح أخفى الله ولادته وغيب الله شخصه ، لأن مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا ، ثم إن زكريا وخالتها أقبلا يقصان أمرها حتى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول : * ( يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا ) * ( 1 ) فأطلق الله تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجتها ، فلما ظهر اشتدت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكب الجبابرة والطواغيت عليهم حتى كان من أمر المسيح ما قد أخبر الله تعالى به .
--> 1 - مريم : 23 .