الشيخ السبحاني
209
أضواء على عقائد الشيعة الإمامية
عيني ، وتوليت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته ، فلما قدمت به بغداد ، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان واليا على بغداد ، فقال لي : يا يحيى إن هذا الرجل قد ولده رسول الله ، والمتوكل من تعلم ، فإن حرضته عليه قتله ، كان رسول الله خصمك يوم القيامة . فقلت له : والله ما وقعت منه إلا على كل أمر جميل . ثم صرت به إلى " سر من رأى " فبدأت ب " وصيف " التركي ، فأخبرته بوصوله ، فقال : والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب بها سواك ، فلما دخلت على المتوكل سألني عنه فأخبرته بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته ، وأني فتشت داره ولم أجد فيها إلا المصاحف وكتب العلم ، وأن أهل المدينة خافوا عليه ، فأكرمه المتوكل وأحسن جائزته وأجزل بره ، وأنزله معه سامراء ( 1 ) . ومع أن الإمام كان يعيش في نفس البلد الذي يسكن فيه المتوكل ، وكانت العيون والجواسيس يراقبونه عن كثب ، إلا أنه وشي به إلى المتوكل بأن في منزله كتبا وسلاحا من شيعته من أهل قم ، وأنه عازم على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعة من الأتراك ، فهاجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئا ، ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى ، وهو متوجه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن ، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل وقالوا له : لم نجد في بيته شيئا ، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة ، وكان المتوكل جالسا في مجلس الشراب فأدخل عليه والكأس في يده ، فلما رآه هابه وعظمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس التي كانت في يده ، فقال الإمام ( عليه السلام ) : " والله ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني " فأعفاه ، فقال له : أنشدني شعرا ، فقال علي : " أنا قليل الرواية للشعر " فقال : لا بد ، فأنشده وهو جالس عنده :
--> ( 1 ) سبط ابن الجوزي ، تذكرة الخواص : 322 .