السيد محمد حسين الطباطبائي

236

نهاية الحكمة

ويرد الثاني أنه وإن لم يستلزم حاجته ( تعالى ) إلى غيره واستكماله بالغايات المترتبة على أفعاله وانتفاعه بها ، لكن يبقى عليه لزوم إرادة العالي للسافل وطلب الأشرف للأخس . فلو كانت غايته - التي دعته إلى الفعل وتوقف عليها فعله ، بل فاعليته - هي التي تترتب على الفعل من الخير والمصلحة لكان لغيره شئ من التأثير فيه ، وهو فاعل أول تام الفاعلية لا يتوقف في فاعليته على شئ . بل الحق - كما تقدم ( 1 ) - أن الفاعل بما هو فاعل لا غاية لفعله بالحقيقة إلا ذاته الفاعلة بما هي فاعلة ، لا يبعثه نحو الفعل إلا نفسه ، وما يترتب على الفعل من الغاية غاية بالتبع ، وهو ( تعالى ) فاعل تام الفاعلية وعلة أولى ، إليها تنتهي كل علة ، فذاته ( تعالى ) بما أنه عين العلم بنظام الخير غاية لذاته الفاعلة لكل خير سواه ، والمبدأ لكل كمال غيره . ولا يناقض قولنا : ( إن فاعلية الفاعل تتوقف على العلة الغائية ) الظاهر في المغايرة بين المتوقف والمتوقف عليه ، قولنا : ( إن غاية الذات الواجبة هي عين الذات المتعالية ) . فالمراد بالتوقف والاقتضاء في هذا المقام المعنى الأعم الذي هو عدم الانفكاك . فهو - كما أشار إليه صدر المتألهين ( 2 ) - من المسامحات الكلامية التي يعتمد فيها على فهم المتدرب في العلوم ، كقولهم في تفسير الواجب بالذات : ( إنه الأمر الذي يقتضي لذاته الوجود . وإنه موجود واجب لذاته ) الظاهر في كون الذات علة لوجوده ووجوده عينه . وبالجملة ، فعلمه ( تعالى ) في ذاته بنظام الخير غاية لفاعليته التي هي عين الذات ، بل الامعان في البحث يعطي أنه ( تعالى ) غاية الغايات . فقد عرفت ( 3 ) أن وجود كل معلول - بما أنه معلول - رابط بالنسبة إلى علته لا يستقل دونها . ومن المعلوم أن التوقف لا يتم معناه دون أن يتعلق بمتوقف عليه لنفسه ، وإلا لتسلسل . وكذا الطلب والقصد والإرادة والتوجه وأمثالها لا تتحقق بمعناها إلا بالانتهاء إلى

--> ( 1 ) حيث قال : ( فظهر مما تقدم أولا . . . ) . ( 2 ) راجع الأسفار ج 2 ص 272 . ( 3 ) في الفصل الأول من هذه المرحلة .