السيد محمد حسين الطباطبائي
210
نهاية الحكمة
ويبطل معه العلم من رأس ، على أن فيه اعترافا ببطلان أصل الدعوى . وأما قول القائل ( 1 ) بجواز أن يختار الفاعل المختار أحد الأمرين المتساويين دون الآخر لا لمرجح يرجحه ، وقد مثلوا له ( 2 ) بالهارب من السبع إذا عن له طريقان متساويان فإنه يختار أحدهما لا لمرجح . ففيه : أنه دعوى من غير دليل ، وقد تقدمت الحجة ( 3 ) أن الممكن المتساوي الجانبين يحتاج في ترجح أحد الجانبين إلى مرجح ( 4 ) . فإن قيل ( 5 ) : إن المرجح هو الفاعل مثلا بإرادته كما مر في مثال الهارب من السبع . أجيب : بأن مرجعه إلى القول الآتي ، وسيأتي بطلانه ( 6 ) . وأما مثال الهارب من السبع فممنوع ، بل الهارب المذكور على فرض التساوي من جميع الجهات يقف في موضعه ولا يتحرك أصلا . على أن جواز ترجح الممكن من غير مرجح ينسد به طريق إثبات الصانع ( تعالى ) ( 7 ) . وأما قول القائل ( 8 ) : ( إن الإرادة مرجحة بذاتها يتعين بها أحد الأفعال
--> ( 1 ) والقائل بعض الأشاعرة كما مر . ( 2 ) راجع شرح المواقف ص 290 ، ومثلوا له أيضا بقدحي العطشان ، ورغيفي الجائع . ( 3 ) راجع الفصلين الخامس والسادس من المرحلة الرابعة من المتن . ( 4 ) هكذا أجابت عنه الفلاسفة . راجع المباحث المشرقية ج 1 ص 480 ، والأسفار ج 2 ص 136 ، وتعليقة المصنف رحمه الله على الأسفار ج 7 ص 298 . ( 5 ) والقائل صاحب المواقف ، حيث قال : ( لا أقول لا يكون للفعل مرجح على عدمه ، فإن الهارب بإرادته مرجح إياه على عدمه ، بل أقول لا يكون إليه - أي إلى الفعل - داع باعث للفاعل عليه من اعتقاد النفع أو ميل تابع له ) . ( 6 ) في السطور الآتية . ( 7 ) هذا أول الوجهين اللذين ذكرهما الفخر الرازي في المباحث المشرقية ج 1 ص 480 ، وصدر المتألهين في الأسفار ج 2 ص 134 . ( 8 ) والقائل جمهور المتكلمين من أصحاب أبي الحسن الأشعري ، كما مر .