النويري

24

نهاية الأرب في فنون الأدب

فاستفتى القضاة في أن يلبس النصارى العمائم البيض على عادتهم القديمة ، وقال : هذا إنما جدّد عليهم في أيامى ، وقد رأيت أن أعيدهم إلى ما كانوا عليه ، فقالوا له : هذه سنة [ كانت ] [ 1 ] أميتت ، وقد أحياها الله تعالى في أيام السلطان ، ولا ينبغي إزالتها ، وقال له قاضى القضاة ، شمس الدين الحنفي : « مذهب أبي حنيفة أن السلطان إذا قرر شيئا على أهل الذمة فليس له ولا لغيره نقضه ؛ وقرأ له النص في ذلك ، فسكت ولم يرضه ذلك . وكان سبب ذلك أن من له اعتناء بالنصارى حسّن ذلك للسلطان ، وقال : إن النصارى يحمّلون على ذلك ما لا ، فتكلم في ذلك فأجيب بهذا الجواب . ولما انقضى مجلس دار العدل ، وانصرف القضاة ، وقدّم إلى السلطان طعام الطارئ ، أخرج الأمير جمال الدين يغمور ، أحد أستاذ داريّة السلطان ، من صولقه فتيلة من الفتايل التي أخذت من النصارى الذين وجدوا بالجامع الظاهري ، ورآها الأمير ركن الدين بيبرس [ 2 ] الأحمدي أمير جندار [ 3 ] ، فتقدم بها أمير جاندار إلى السلطان ، وعرضها عليه ، فسأله عنها ، فقال : هذه مما وجد مع النصارى الذين قصدوا إحراق الجامع الظاهري ، ولم يكن السلطان أطلع على ذلك ، فغضب وسأل عنهم ، فقيل : إنهم أطلقوا ، فألزم متولى [ 4 ] القاهرة بإحضارهم ، فأحضرهم ، فاعترف اثنان أنهم حرقوا ، وقالوا : إنهم جماعة كبيرة ، منهم من يحرق المدينة ، [ ومنهم ] من خرج إلى الأرياف ليحرق الزروع ، وأنكر الثالث ، فسلمه السلطان للأمير سيف الدين « الدمر » أمير جاندار ، فقرّره ، فأقر ، بالتهديد والتخويف قبل الضرب ، واعترف على راهب بالخندق ، فما شك السلطان عند ذلك في أن الحريق من قبل النصارى اليعاقبة ، فغضب عند ذلك ، وأنكر غاية الإنكار ، ثم قبض على جماعة من النصارى ، وجىء بهم ، وهم

--> [ 1 ] ما بين الحاصرتين زيادة عن « أ » ص 14 . [ 2 ] بيبرس الأحمدي أمير جاندار ، كان أحد الأبطال الفرسان الشجعان ، وكان أحد من يشار إليهم في الحل والعقد بعد موت الناصر ، ولى نيابة طرابلس وكانت وفاته 746 ه ( عن الدرر 1 / 502 ) . [ 3 ] جاندار ، ويرسم أيضا جندار ، لقب فارسي مركب من جان - روح ، ودار - حافظ . ومعناه حارس ذات الملك ( الألفاظ الفارسية المعربة ص 46 ) وفى صبح الأعشى ( 5 / 461 ) : لقب على الذي يستأذن على الأمراء وغيرهم في أيام المواكب ، فلا يأذن في الدخول عليهم إلا لمن يأمن عاقبته . [ 4 ] المتولى - الوالي : كان قديما لا يسمى به إلا نائب السلطان وهو الآن ( 770 ه ) اسم لمن إليه أمر الجرائم من اللصوص وغيرهم ( معيد النعم ص 43 ) والنويري يورده بهذا المعنى .