النويري

60

نهاية الأرب في فنون الأدب

البحر الملح حال الزلزلة ، وانطرد عن مكانه . ثم مدّ حتى دخل الصناعة ، ووصل إلى الأسوار الذي كان عند القصارين بجملته ، وأثرّت هذه الزلزلة بصفّد أثرا عظيما ، وسقط جانب من قلعتها ، وانطرد البحر بعكَّا حتى انكشف ما بين عكَّا وبرج الذّبّان [ 1 ] الذي بالبحر [ 2 ] ومسافته بعيدة ، وظهر أنه كان [ 3 ] بساحلها أشياء مما ألقاه أهل عكَّا في البحر لما حاصرها المسلمون ، فتبادر من كان هناك بالنزول لأخذ ما ظهر لهم ، فجاء الماء أمثال الجبال فغرقوا ، ووصل في مدّه إلى قرب تل الفضول ، وخربت دمنهور الوحش - وهذه مدينة أعمال البحيرة - خرابا شنيعا ؛ وأبيارا [ 4 ] ، وغير ذلك من البلاد ، ولعظم هذه الزلزلة بالديار المصرية أرّخ كثير من العوامّ بها فهم يذكرونها إلى وقتنا هذا . ولمّا أثّرت هذه الزلزلة بالجوامع ما أثّرت ، اهتمّ الأمراء بالديار المصرية بها ، فعمرّ الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما تشعّث بجامع عمرو بن العاص بمصر ، وعمّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار ، جامع الحاكم بالقاهرة ، وجدد مآذنه وسقوفه ، وبيّضه وبلَّطه ، وأصلحه إصلاحا جيّدا حتى عاد أحسن مما كان ، ووقف عليه أوقافا متوفرة ، ورتّب فيه من الدروس ووجوه البرّ والخير ما نذكره إن شاء الله تعالى في سنة ثلاث وسبعمائة . وأعيدت المئذنة المنصورية من مال الوقف ليصرفه ، وصرف في عمارتها في نصفها الذي هدم وهو من سطح القبّة إلى انتهائها ما عدا ما يقارب تسعين ألف درهم ، خارجا عمّا استعمل من أحجارها المنقوضة منها ، وعن تفاوت أجر الأسرى وما حمل على ذوات [ 5 ] مرمات الوقف .

--> [ 1 ] برج الذبان : برج في وسط البحر مبنى على الصخر على جانبي ميناء يحرص به ومتى عبره الراكب أمن غائلة العدو ( النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لابن شداد ص 217 ) . [ 2 ] في ص ، وف « في البحر » . [ 3 ] كذا في ك ، وف . وعبارة ص « وظهر لبعض من كان - إلخ » . [ 4 ] أبيار : هي بلدة من بلاد محافظة الغربية ، وتقع على بحر سيف شرقي كفر الزيات ( على مبارك : الخطط التوفيقية 8 : 28 ، محمد رمزى : القاموس الجغرافي ، ج 2 ، ق 2 ، ص 119 ) . [ 5 ] في ك « دواب » والمثبت من ص ، وف .